
في المشهد الجيوسياسي المتفجر لعام 2026، لم تعد التقارير العسكرية تكتفي بحساب عدد الرؤوس الحربية، بل باتت ترصد “البوتات” والبيانات المسربة كذخيرة حية، ومع تصاعد الهجمات السيبرانية المتبادلة في سياق المواجهة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، يجمع المحللون على أننا بصدد “حرب شاملة” تجري في الظل، حيث تلعب مجموعات مثل “حنظلة” دور “القوات الخاصة الرقمية” التي تعيد تعريف مفاهيم الأمن القومي والردع.
ونجحت مجموعة القرصنة “حنظلة” فى عدة عمليات للاختراق، وركزت المجموعة على اختراق القطاع الحكومي والسياسي وجمع الاستخبارات، وتسريب البيانات الدبلوماسية، وشن حرب نفسية استهدفت قمة الهرم السياسي، أعلنت المجموعة فى يناير 2026عن اختراق هواتف وحسابات تليجرام لشخصيات سياسية إسرائيلية عليا، على رأسهم تساحي برافرمان رئيس ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت..كما نجحت فى تسريب عشرات الآلاف من رسائل البريد الإلكتروني لشخصيات بارزة مثل بيني غانتس، وغابي أشكنازي، وإيهود باراك، مما كشف عن مناقشات أمنية داخلية وتواصل دبلوماسي حساس..واستهدفت المجموعة مزودي الإنترنت، ونجحت فى اختراق شركتي تزويد الإنترنت “099 إسرائيل” و”برايمو”، واستغلال خوادمهما الرسمية لإرسال أكثر من 150 ألف رسالة إلكترونية تهديد للإسرائيليين.
كما اخترقت المجموعة الأنظمة الذكية لسيارة أحد كبار العلماء العاملين في المشاريع النووية الإسرائيلية، وتركت بداخلها رسالة تهديد صريحة وباقة زهور، في رسالة تفيد بقدرتهم على الوصول الجسدي والتقني للهدف، وكذلك تسريب بيانات وتفاصيل شخصية دقيقة لـ 17 عالماً عسكرياً إسرائيلياً، متوعدة إياهم بالمحاسبة.
وكذلك أعلنت المجموعة عن اختراق خوادم مركز”سوريك للأبحاث النووية” الحساس، ونشرت صوراً التُقطت من داخله، بالإضافة إلى تسريب بيانات ومعلومات شخصية عن العاملين فيه، كما شنت المجموعة هجوماً مدمراً على عملاق التكنولوجيا الطبية “سترايكر”، مما أسفر عن مسح بيانات أكثر من 200 ألف جهاز وتوقف العمليات في مقار الشركة في عشرات الدول بما فيها مقرها في أيرلندا..كما زُعمت “حنظلة” اختراق شبكات الشركة المعنية بحلول الدفع الإلكتروني، وتسريب بيانات المعاملات المالية الحساسة.
وفي واحدة من أكثر الهجمات إثارة للقلق، اخترقت المجموعة نظام النداء العام والطوارئ في أكثر من 20 روضة أطفال إسرائيلية، وقامت ببث صفارات الإنذار ورسائل تهديد باللغة العربية عبر المكبرات الصوتية، كما اخترقت شبكات كبرى مثل شبكة التجزئة Max Shop، وتسريب نحو 1.5 تيرابايت من بيانات العملاء والبطاقات الائتمانية، بالإضافة إلى استهداف شركة AGAS للخدمات السحابية.
ويرى خبراء الأمن السيبراني أن التحول الجديد في تكتيكات مجموعة “حنظلة” يمثل قفزة نوعية؛ فهي لم تعد تكتفي بهجمات “حجب الخدمة” التقليدية، بل انتقلت إلى ما يسمى “الاختراق المعلوماتي العميق”، ويشير محللون تقنيون إلى أن نجاح المجموعة مؤخراً في تسريب وثائق سرية للغاية منسوبة لرئاسة “الموساد” وأجهزة أمنية إسرائيلية حساسة، يعد “ضربة قاصمة” لصورة “الحصن السيبراني” الذي طالما روجت له تل أبيب.
وأضاف المحللون: “ما تفعله مجموعات مثل حنظلة اليوم ليس مجرد قرصنة، بل هو شكل من أشكال الاغتيال المعنوي للمؤسسات الأمنية، حيث يتم كشف كواليس العمليات الاستخباراتية ونشر بيانات العلماء العسكريين، مما يضع قيادات الجبهة الداخلية تحت ضغط نفسي هائل”.
ويعتقد المحلل العسكري لايتون في قراءته للردود السيبرانية الأخيرة أن الجيوش الإلكترونية الإيرانية وحلفاءها باتوا يعملون وفق “توقيتات منسقة” مع التحركات الميدانية، ويرى خبراء في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية أن الهجمات السيبرانية أصبحت “مضاعف قوة”؛ فهي تمهد الطريق للضربات العسكرية عبر تعطيل أنظمة الرادار أو التشويش على اتصالات القيادة والسيطرة، كما حدث في “عملية الفجر الرقمي” التي استهدفت البنية التحتية للاتصالات في اللحظات الأولى للتصعيد.
من منظور سوسيولوجي وسياسي، يحلل خبراء في الإعلام الرقمي سر صعود مجموعة “حنظلة”، معتبرين أن استخدام رمز الفنان “ناجي العلي” منح هذه المجموعة “شرعية ثورية” تتجاوز البعد التقني، فبينما يُنظر للهاكرز عادةً كأفراد مجهولي الهوية، نجحت “حنظلة” في خلق هوية بصرية وأيديولوجية مرتبطة بـ “حق العودة” و”رفض الهزيمة”، مما جذب إليها تضامناً واسعاً من نشطاء الفضاء السيبراني المؤيدين للقضية الفلسطينية حول العالم.
ويُبدي ماتنياهو إنجلمان، مراقب الدولة في إسرائيل، قلقاً متزايداً من قدرة هذه الهجمات على التأثير في المسارات السياسية والانتخابية، محذراً من أن “سلامة الأطر الحكومية باتت مهددة بفعل النشاط السيبراني الخارجي”، وفي المقابل، يرى مسؤولون أوروبيون أن هذا النمط من الحروب قد يؤدي إلى “فوضى معلوماتية” يصعب احتواؤها، خاصة مع دخول الذكاء الاصطناعي كلاعب أساسي في توليد الهجمات والبيانات المزيفة لتضليل الرأي العام.
ويتفق المختصون على أن المواجهة الحالية هي اختبار حقيقي لمنظومات الدفاع الأمريكية والإسرائيلية، ليس فقط أمام الصواريخ الباليستية، بل أمام “أدمغة” رقمية استطاعت أن تخترق جدران الحماية الأكثر تحصيناً في العالم، محولةً الفضاء السيبراني إلى جبهة استنزاف لا تهدأ.







