أخباراتصالاتالأرشيفمقالات
أخر الأخبار

خالد أبو المجد يكتب: بداية العدو..!!

هكذا يبدو المشهد الآن أمام المهندس رأفت هندي، الذى يتولى حقيبة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فى توقيت بالغ الحساسية.. سباقًا طويلًا إنتهي، وخط يبدأ منه سباق أطول؛ لا يستطيع العداء أن يقف ليحتفل طويلًا، ولا يستطيع أن يتردد، عليه أن يلتقط أنفاسه بسرعة، وأن يبدأ العدو من جديد..توقيت لا يسمح برفاهية التعلم البطيء، ولا يقبل الأعذار التقليدية، لأن ما تحقق فى السنوات الماضية لم يعد مجرد إنجازات يمكن التفاخر بها، بل أصبح أساسًا يبنى عليه المستقبل.

لقد دخل قطاع الاتصالات مرحلة جديدة، لم يعد مجرد قطاع خدمى يقدم الإنترنت والمكالمات، بل أصبح شريانًا اقتصاديًا، ومصدرًا للعملة الصعبة، وأداة سيادية لا تقل أهمية عن الطاقة أو قناة السويس، وعندما تنجح الدولة فى ضخ 3.5 مليار دولار إلى خزائنها من خلال الاستراتيجية الوطنية للطيف الترددى، فهذا ليس مجرد رقم، بل رسالة تحمل إنجازات تخلق توقعات أكبر.

أول الملفات التى تنتظر الوزير الجديد هو ملف “الاستمرارية”، فأسوأ ما يمكن أن يحدث لأى قطاع هو أن يتحول النجاح إلى محطة نهائية، وليس إلى نقطة انطلاق، لقد نجحت الدولة، عبر مؤسسات مثل وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فى إعادة تعريف قطاع الاتصالات باعتباره قطاعًا منتجًا للقيمة، وليس مستهلكًا للاستثمارات فقط.

الاستمرارية تعنى أن تظل مصر جاذبة للاستثمارات العالمية فى مراكز البيانات، والحوسبة السحابية، وخدمات التعهيد، وتعنى أن يرى المستثمر الأجنبى فى القاهرة منصة إقليمية وليس فقط سوقًا كبيرًا، وتعنى أن يشعر المستثمر المحلى أن الدولة لا تنافسه، بل تدعمه..والتحدي هنا ليس: هل تستطيع مصر جذب الاستثمارات؟ بل: هل تستطيع الاحتفاظ بها؟..فالاستثمار لا يبحث فقط عن الفرص، بل يبحث عن الاستقرار، والاستقرار لا يعنى فقط الاستقرار السياسى، بل الاستقرار التشريعى والتنظيمى.

الملف الثانى هو “إدارة الطيف الترددى” باعتباره ثروة وطنية، فالدور الذى قامت به مؤسسات مثل الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات فى تنظيم هذا المورد كان حاسمًا، لكن التحدى القادم هو تحقيق التوازن بين ثلاثة أطراف: الدولة، وشركات الاتصالات، والمستخدمين، وهنا ظهرت عبقرية الإدارة فى تحقيق أكبر قيمة مستدامة.

الملف الثالث هو الذكاء الاصطناعى، ليس باعتباره تكنولوجيا، بل باعتباره اقتصادًا جديدًا، وإذا تم الاستثمار فى هذه المنظومة بشكل متكامل، سنجد أنفسنا نستخدم أدوات نمتلك القدرة على تطويرها لا تطبيقات صنعها الآخرون، وندفع مقابل استخدامها.

الملف الرابع هو البنية التحتية الرقمية، فلا يمكن الحديث عن الذكاء الاصطناعى دون مراكز البيانات والاقتصاد الرقمى والإنترنت السريع والمستقر شبكات آمنة، والبنية التحتية ليست مجرد كابلات وأبراج، بل هى أساس الثقة، فعندما يثق المستثمر فى البنية التحتية، يستثمر، وعندما يثق المواطن فى الخدمات الرقمية، يستخدمها.

الملف الخامس، وربما الأهم، هو “الإنسان”، فالاستثمار فى الكوادر البشرية هو الاستثمار الوحيد الذى لا يفقد قيمته وقد نجحت مصر فى تخريج آلاف المتخصصين فى مجالات التكنولوجيا، العالم كله يبحث عن المبرمجين المصريين..والتحدى ليس فقط فى تدريب الكوادر، بل فى الاحتفاظ بها.

هناك أيضًا ملف الأمن السيبرانى، الذى لم يعد رفاهية، فكلما زاد الاعتماد على التكنولوجيا، زادت المخاطر، والهجمات السيبرانية لم تعد تستهدف الأفراد فقط، بل تستهدف الدول، فالأمن السيبرانى اليوم هو جزء من الأمن القومى..لكن وسط كل هذه الملفات، هناك ملف غير مكتوب؛ ملف لا يظهر فى التقارير، ولا فى المؤتمرات، إنه ملف “الإدارة”.

الوزير ليس مجرد مسئول عن اتخاذ القرارات، بل عن خلق بيئة تستطيع اتخاذ القرارات، الفرق بين الوزير الناجح والوزير العادى ليس فى عدد القرارات التى يصدرها، بل فى عدد القادة الذين يصنعهم..القطاع لا يحتاج فقط إلى وزير قوى، بل إلى منظومة قوية.الفرصة موجودة.

مصر تمتلك موقعًا جغرافيًا فريدًا، يربط بين ثلاث قارات، وتمتلك سوقًا كبيرًا، وتمتلك كوادر بشرية متميزة، وتمتلك إرادة سياسية تدرك أهمية هذا القطاع، كما يظهر فى دعم مؤسسات الدولة مثل مجلس الوزراء المصري لهذا المسار..المعادلة واضحة: الموارد موجودة، والفرصة موجودة، والتحدى موجود، ويبقى القرار.

فى النهاية، يمكن القول إن المهندس رأفت هندي وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الجديد لا يبدأ من الصفر، وهذا فى حد ذاته ميزة، لكنه أيضًا لا يبدأ من منطقة آمنة، لأن البناء فوق أساس قوى يتطلب دقة أكبر، والنجاح الحقيقى ليس فى تحقيق إنجاز جديد فقط، بل فى الحفاظ على الزخم، فالتاريخ لا يتذكر من بدأ الطريق، بل يتذكر من أكمله، وربما، بعد سنوات، سننظر إلى هذه اللحظة باعتبارها لحظة انتقال، لحظة لم يكن السؤال فيها: ماذا تحقق؟ بل: ماذا سيحدث بعد ذلك؟..وهذا هو السؤال الذى ينتظر إجابته.

وختاماً فإن التحدى الحقيقى أمام الوزير رأفت هندي ليس فى إدارة الحاضر، بل فى استباق المستقبل، فالتكنولوجيا لا تنتظر أحدًا، والدول التى تتأخر، لا تجد مكانًا فى الصفوف الأولى.

error: Content is protected !!