أخباراتصالاتالأرشيفمقالات
أخر الأخبار

خالد أبو المجد يكتب: تجربة الأخضر..!!

ارتبطت صورة المؤسسات الحكومية في الأذهان بالروتين والطوابير التي لا تنتهي، إلا أن التحول الجذري الذي شهده العقد الأخير فرض واقعاً جديداً كسر هذه الصورة النمطية، لم تكن المسألة مجرد “تطوير” بل كانت ثورة في فكر الإدارة، حيث أثبتت تجربة “خصخصة الإدارة” -وهي تبني فكر القطاع الخاص في إدارة الأصول العامة- أنها المفتاح السحري لتحويل الهيئات الخدمية من عبء على الموازنة إلى قلاع اقتصادية وخدمية تنافسية، وكان “البريد المصري” هو أحد أبطال هذه الملحمة.

وإذا عقدنا مقارنة بين “بريد الماضي” و”بريد الحاضر”، سنجد فرقاً شاسعاً يعكس نجاح هذا الفكر الإداري؛ ففي الماضي، كانت مكاتب البريد عبارة عن جدران رمادية متهالكة، ونوافذ خشبية ضيقة تفصل الموظف عن المواطن، وغرف تمتلأ بأكوام من الدفاتر الورقية والملفات التي يكسوها الغبار، حيث كان التعامل يعتمد على “المحسوبية” أو الصبر الطويل أمام طوابير تمتد لساعات تحت أشعة الشمس؛ أما اليوم، فقد تحولت هذه المقرات إلى تحف معمارية تجمع بين التراث والحداثة، مجهزة بصالات انتظار مكيفة، وشاشات رقمية لترتيب الأدوار، ونوافذ خدمة مفتوحة تلغي الحواجز النفسية والمادية بين المواطن والموظف الذي بات “ممثلاً لخدمة العملاء” بمفهومها الاحترافي، مدرباً على سرعة الإنجاز والابتسامة في وجه الجمهور.

إن الفلسفة التي قامت عليها خصخصة الإدارة داخل الهيئة القومية للبريد لم تستهدف الربح فحسب، بل استهدفت “كرامة المواطن” عبر تجويد الخدمة وتوسيع رقعتها، ومن هنا، تحولت مكاتب البريد من مجرد منافذ لصرف المعاشات أو إرسال الخطابات الورقية، إلى مراكز خدمات متكاملة، وجاء هذا التحول النوعي نتيجة استقطاب كوادر إدارية بفكر استثماري، وتطبيق معايير قياس الأداء العالمية، والاعتماد الكلي على التحول الرقمي الذي يقلص التدخل البشري ويقضي على البيروقراطية، حيث ارتفع عدد الخدمات من مجرد 15 خدمة تقليدية في الماضي إلى أكثر من 170 خدمة رقمية شاملة حالياً.

ولعل أبرز ملامح هذا النجاح يظهر في “الخدمات الحكومية المتكاملة”، حيث بات المواطن اليوم قادراً على استخراج شهادات الميلاد، وقسائم الزواج، وبطاقات الرقم القومي، بل وحتى دفع مخالفات المرور من أقرب مكتب بريد بجوار منزله، إدراكاً من الإدارة الحديثة بأن الانتشار الجغرافي للبريد الذي يتجاوز 4500 فرع هو “كنز” يجب استغلاله لتخفيف الضغط عن المقرات المركزية للوزارات، مما رفع العناء عن كاهل ملايين المصريين، خاصة في القرى والنجوع التي لم تكن تحلم بمثل هذه الرفاهية الرقمية.

ولم يتوقف الأمر عند الخدمات الورقية، بل امتد ليشمل “الطفرة المالية الرقمية”، فقد أحدث البريد المصري نقلة نوعية عبر تطبيق “يلا سوبر آب” وبطاقات الدفع الإلكتروني، مما أتاح للفئات غير المشمولة بنكياً الدخول في منظومة الاقتصاد الرسمي بكل سهولة، كما دخل البريد بقوة في مجال “الخدمات اللوجستية وتجارة التجزئة”، عبر خدمة “وصلها” التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، منافساً كبرى الشركات العالمية في سرعة التوصيل ودقة التتبع، مستغلاً في ذلك أسطول نقل حديث ومنظومة إدارة ذكية تتوقع الأزمات وتضع الحلول الاستباقية.

إن تجربة البريد المصري تؤكد أن المؤسسات الحكومية تمتلك الإمكانيات، ولكنها تحتاج فقط إلى “روح القطاع الخاص” في الإدارة، لقد نجحت الهيئة في تغيير شكل الخدمة عبر تطوير المكاتب لتصبح واجهات حضارية، وتغيير نوع الخدمة لتشمل التكنولوجيا والمالية، وزيادة كم الخدمات لتغطي كافة احتياجات المواطن اليومية، إنها قصة نجاح تثبت أن الخصخصة حين تتوجه نحو “الإدارة” فإنها تصبح طوق النجاة للاقتصاد والحل الأمثل لرفاهية المواطن.

error: Content is protected !!