
في ظل الثورة الرقمية المتسارعة، أصبحت الألعاب الإلكترونية جزءًا لا يتجزأ من حياة ملايين الأطفال والمراهقين في مصر والعالم، من مظهرها البريء والمسلّي، تبدو هذه الألعاب كنافذة للتسلية وقضاء وقت الفراغ، لكنها في الواقع تشكل تحديًا متزايدًا للقيم والمبادئ، وتهديدًا مباشرًا لصحة الأطفال النفسية والاجتماعية، ولقدرة الأسرة والمجتمع على توجيه النشء نحو سلوكيات سليمة وإيجابية.
الواقع المصري يعكس هذه المخاطر بوضوح. مع تزايد استخدام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، وتوافر الإنترنت السريع بأسعار مقبولة نسبيًا، أصبح الأطفال عرضة لمحتوى رقمي غير مناسب، يحمل رسائل سلبية، ويعزز العنف، والسلوك العدواني، والانغماس في عالم افتراضي بعيد عن الواقع، ويزداد الأمر خطورة حين تتحول الألعاب من مجرد وسيلة ترفيهية إلى أداة لإدمان الأطفال على قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات، وهو ما يشير إليه خبراء التربية وعلم النفس كأحد أهم عوامل تراجع التحصيل الدراسي، واضطراب العلاقات الأسرية، وانتشار مشاكل صحية مثل السمنة وضعف التركيز واضطرابات النوم.
إحدى السمات الأكثر ضررًا في كثير من الألعاب الإلكترونية هي تشجيعها على العنف والمنافسة غير المشروعة، وتحفيز الأطفال على ممارسة سلوكيات قد تتعارض مع القيم المجتمعية والأخلاقية، ألعاب تحاكي العنف المسلح أو العنف اللفظي، أو تلك التي تعتمد على الخداع والمكاسب السريعة، تعكس نموذجًا سلوكيًا مشوهًا للنشء، ويصبح الطفل عرضة لتقليد هذه الأنماط في حياته اليومية، كما أن المحتوى الرقمي غير المناسب قد يحتوي على مشاهد جنسية، لغة بذيئة، أو إشارات إلى ثقافة العنف والمخدرات، ما يشكل تهديدًا مباشرًا على تكوين شخصية الطفل وفق قيم المجتمع.
وبالطبع، ليس كل ما هو رقمي ضارًا، فهناك ألعاب تعليمية وفكرية مفيدة، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الرقابة الأسرية والقوانين الفاعلة، مما يتيح انتشار ألعاب غير مناسبة دون ضوابط، وهو ما أدى مؤخرًا إلى حجب لعبة روبلوكس في مصر بعد رصد محتوى ضار وخطير، في خطوة فورية لدعم حماية الأطفال والنشء من تأثيرات هذه الألعاب.
تأتي هذه الخطوة في إطار المبادرة الرئاسية لحماية الأطفال والنشء من المخاطر الرقمية، التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤخرًا، وتتمحور حول ثلاثة محاور رئيسية: “تنظيم المحتوى الرقمي”، ووضع ضوابط صارمة على الألعاب الإلكترونية، والتأكد من خلوها من محتوى عنيف أو غير أخلاقي، ومنع وصولها للأطفال دون رقابة مناسبة، و”تعزيز الرقابة الأبوية والمجتمعية، وتطوير أدوات تقنية تمكّن الأسر من متابعة استخدام أطفالهم للألعاب، وضبط وقت اللعب والمحتوى المتاح، و”التوعية والتعليم، عن طريق إطلاق حملات توعية واسعة النطاق، تشرح للأهالي مخاطر الإدمان الرقمي على الأطفال، وأهمية بناء قيم ومبادئ سليمة، مع توفير بدائل تعليمية وترفيهية آمنة.
تجسد حوادث مثل حجب لعبة روبلوكس نموذجًا عمليًا لكيفية تنفيذ هذه المبادرة، حيث تدخلت الدولة لحماية الأطفال، وتأمين بيئة رقمية آمنة، مع تأكيد أهمية التزام الشركات المطورة للألعاب بالقوانين والضوابط المحلية، وعلى الرغم من المبادرات الحكومية، يبقى الدور الأهم للأسرة والمجتمع في ضبط استخدام الأطفال للألعاب الرقمية، فالأسرة هي الخط الدفاعي الأول، عبر وضع حدود زمنية صارمة للعب، واختيار ألعاب تعليمية مناسبة، ومتابعة سلوك الطفل يوميًا، كما أن المدارس يمكن أن تسهم في رفع مستوى الوعي بين الطلاب حول مخاطر الإدمان الرقمي، وتشجيع الأنشطة البديلة التي تنمي المهارات الاجتماعية والبدنية والفكرية.
إن حماية الأطفال من الأضرار الرقمية لا تمثل مجرد سياسة مؤقتة، بل استثمارًا في المستقبل الوطني، فجيل اليوم هو القوة البشرية التي ستقود مصر غدًا، وإتاحة بيئة رقمية آمنة تعني تكوين جيل قادر على التفكير النقدي، والتمييز بين الواقع والخيال، واستخدام التكنولوجيا بشكل إيجابي وفعال، وحجب لعبة روبلوكس ليس نهاية المطاف، بل خطوة نموذجية لإرسال رسالة قوية للشركات والمجتمع** بأن حماية القيم والمبادئ والمصلحة العامة للأطفال تأتي قبل الأرباح والتسلية العابرة.
الألعاب الإلكترونية يمكن أن تكون أدوات تعليمية وترفيهية مفيدة إذا ما أحسن استخدامها، لكن دون رقابة صارمة وتنظيم فعال، فإنها تتحول إلىسلاح يهدد القيم والمبادئ، ويضر بالنشء، والمبادرة الرئاسية المصرية لحماية الأطفال والنشء من المحتوى الرقمي الضار، مع حظر الألعاب غير المناسبة مثل روبلوكس، تؤكد جدية الدولة في الحفاظ على سلامة الجيل الجديد، والنجاح في هذا المجال يتطلب تكاتف الحكومة والأسرة والمجتمع، لتوفير بيئة رقمية آمنة، تنمي القدرات الإبداعية للأطفال، وتحميهم من الانغماس في عالم افتراضي قد يسرق منهم قيمهم ومبادئهم.







