
في لحظة بدت عابرة داخل خطاب الاحتفال بعيد الشرطة، أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي إشارة بالغة الدلالة، لا تقل أهمية عن القضايا الكبرى التي تشغل الرأي العام، حين دعا إلى إعادة التفكير في استخدام الهواتف المحمولة للأطفال، مستشهدًا بتجارب دول متقدمة مثل أستراليا وإنجلترا، التي لجأت إلى تشريعات صارمة لحماية صغارها من التأثيرات السلبية للتكنولوجيا المبكرة.
لم يكن حديث الرئيس مجرد تعليق عابر أو استدعاء لتجربة خارجية، بل كان تعبيرًا صريحًا عن قلق أبٍ قبل أن يكون موقف رئيس دولة؛ قلق على جيل يتشكل وعيه في فضاء رقمي مفتوح، بلا ضوابط كافية، وبلا استعداد نفسي أو معرفي للتعامل مع هذا الكم الهائل من المحتوى، والتأثير، والتوجيه الخفي.
الرئيس السيسي، الذي اعتاد أن ينظر إلى المستقبل بعين التحذير لا بعين الترف، يطرح هنا سؤالًا جوهريًا: هل نحن نحمي أبناءنا بما يكفي، أم نتركهم فريسة مبكرة لهواتف ذكية أكبر من أعمارهم.
العالم كله، وليس مصر وحدها، بدأ يدفع ثمن الاستخدام غير المنضبط للهواتف الذكية بين الأطفال، تقارير نفسية وتربوية متواترة تحذر من آثار سلبية تمتد من ضعف التركيز، واضطرابات النوم، وصولًا إلى العزلة الاجتماعية والتشوهات القيمية، ولهذا لم تنتظر دول مثل أستراليا حتى تتفاقم الأزمة، بل تحركت تشريعيًا، واضعة سنًا محددًا وضوابط واضحة، إدراكًا منها أن الحرية الرقمية دون وعي تتحول إلى خطر صامت.
من هذا المنطلق، تأتي دعوة الرئيس إلى دراسة التجارب الدولية لا باعتبارها تقليدًا أعمى، بل كجزء من منهج عقلاني طالما تبناه: التعلم من العالم، ثم البناء بما يناسب المجتمع المصري وخصوصيته الثقافية.
ما يميز هذا الطرح أنه لا يخاطب الحاضر فقط، بل يستبق أزمة مستقبلية، فالدولة التي تهتم بجودة التعليم، وبناء الإنسان، لا يمكن أن تغض الطرف عن أدوات قد تهدم ما تبنيه بيد أخرى. والرئيس، حين يذكّر الحكومة والبرلمان بمسؤولياتهم، لا يحمّلهم عبئًا إضافيًا، بل يدعوهم إلى شراكة وطنية لحماية الوعي الجمعي للأجيال القادمة.
إن حماية الأطفال من الاستخدام المبكر وغير الرشيد للهواتف ليست تقييدًا للحريات، كما قد يظن البعض، بل هي استثمار طويل الأجل في إنسان أكثر توازنًا، وقدرة على الفهم، والاختيار، والمشاركة الواعية في المجتمع.
في جوهر هذا الطرح، تتجلى رؤية إنسانية خالصة: رئيس دولة لا ينشغل فقط بالأرقام والمؤشرات، بل يتوقف أمام تفاصيل تمس حياة البيوت المصرية، ومستقبل أبنائها. وهذا ما يمنح حديثه مصداقيته؛ فهو لا يتحدث من برج عاجي، بل من واقع ملموس، يرى فيه الخطر قبل أن يتحول إلى أزمة عامة.
ختامًا، فإن دعوة الرئيس السيسي لفتح هذا الملف الشائك تمثل فرصة حقيقية لنقاش مجتمعي ناضج، تشارك فيه الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والتشريع. نقاش لا يرفض التكنولوجيا، بل يضعها في مكانها الصحيح: أداة للبناء، لا سلاحًا ضد الطفولة.
هي رؤية تستحق الدعم، لا لأنها صدرت من رئيس الجمهورية فحسب، بل لأنها تنحاز بوضوح إلى مستقبل أكثر أمانًا لأبناء هذا الوطن.







