
في زمن تحكمه “اللقطة”، وتتصدره ثوانٍ معدودة على منصات التواصل، لم يعد الحدث هو ما يصنع الرأي العام، بل طريقة تصويره وتوقيت نشره والسياق الذي يُقدَّم فيه، وبينما يعيش المجتمع حالة من الجدل المستمر بفعل “التريند” اليومي، يبرز اقتراح الفنان وعضو مجلس الشيوخ ياسر جلال بقصر صلاحية التصوير باستخدام الهواتف المحمولة على الصحفيين المقيدين رسميًا بنقابة الصحفيين المصرية، ليشعل نقاشًا واسعًا بين مؤيد ومعارض.
الاقتراح في ظاهره يبدو صادمًا للبعض، وربما يُقرأ باعتباره تضييقًا على حرية المواطن، لكنه في جوهره يطرح سؤالًا أعمق: من المسؤول عن الصورة؟ ومن يحاسب على أثرها؟، التصوير في حد ذاته ليس جريمة، ولم يكن يومًا كذلك، فالهاتف المحمول تحوّل إلى أداة توثيق يومية، يرصد بها المواطن تفاصيل حياته ومجتمعه، لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في لحظة النشر، حين تتحول صورة مجتزأة أو مقطع قصير إلى “حقيقة مطلقة” في وعي المتابعين.
في عالم السوشيال ميديا، لا أحد ينتظر التحقق، ولا أحد يراجع السياق، ولا أحد يسأل عن التوقيت، صورة لشارع مزدحم قد تُقدَّم باعتبارها “فوضى عارمة”، ومشهد لمشاجرة فردية قد يُسوَّق باعتباره “انهيارًا أمنيًا”، ولقطة لقمامة في زاوية مهملة قد تُستخدم لتعميم صورة سوداوية عن دولة بأكملها..وهنا تحديدًا تكمن خطورة النشر العشوائي، فالأعداء المتربصون لا يحتاجون إلى فبركة كاملة، يكفيهم “نصف مشهد” ليبنوا عليه رواية كاملة.
من يعترضون على الاقتراح يرونه مساسًا بحرية التعبير، ويخشون من تحويل الهاتف إلى أداة خاضعة لإذن مسبق، وهي مخاوف مفهومة، لأن حرية الرأي والتعبير أحد أعمدة أي مجتمع حي، لكن في المقابل، هل حرية النشر تعني غياب المسؤولية؟، وهل يظل المجال العام مفتوحًا بلا ضوابط في ظل حرب معلومات لا تقل شراسة عن أي صراع تقليدي؟.
الفرق الجوهري بين الصحفي والمستخدم العادي لا يتمثل فقط في بطاقة عضوية نقابية، بل في منظومة كاملة من المساءلة، فالصحفي يخضع لمدونة سلوك مهني، ولمساءلة قانونية، ولمؤسسة تحريرية تتحمل مسؤولية ما يُنشر، أما المستخدم العادي، فبضغطة زر قد ينشر محتوى يصل إلى ملايين دون مراجعة أو تدقيق، ثم يختفي خلف حساب وهمي أو اسم مستعار.
المشكلة التي نعيشها اليوم ليست مجرد تجاوزات فردية، بل حالة من “إدمان التريند”، كل مشهد قابل للاجتزاء، وكل واقعة قابلة للتضخيم، وكل خطأ فردي قابل للتعميم، وهكذا يتحول المجتمع إلى ساحة مفتوحة للتشكيك المستمر، فالتريند لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الإثارة، وكلما كان المشهد أكثر صدمة، زادت فرص انتشاره، ومع خوارزميات المنصات، يصبح المحتوى السلبي أكثر جذبًا، لأنه يستفز المشاعر ويحفز التفاعل، وفي هذا السياق، يبدو اقتراح قصر التصوير على الصحفيين محاولة لضبط إيقاع المشهد، بحيث تمر الصورة عبر “فلتر مهني” قبل أن تتحول إلى قضية رأي عام.
ماذا لو شاهد مواطن مخالفة أو تقصيرًا أو سلوكًا سلبيًا؟ هل يصمت؟، هنا يمكن تصور مسارين منطقيين: الأول، أن يتوجه بما وثقه إلى مؤسسة صحفية تتحمل مسؤولية النشر من عدمه، بعد التحقق والتدقيق، والثاني، أن يرسله مباشرة إلى الجهات المعنية لتتولى التعامل معه وفقًا لاختصاصها..في الحالتين، تظل المساءلة قائمة، ويظل الهدف هو المعالجة لا الإثارة، أما النشر المباشر على السوشيال ميديا، فيحوّل الواقعة من مشكلة قابلة للحل إلى أزمة متداولة قد تُستغل سياسيًا أو إعلاميًا خارج سياقها.
رغم وجاهة دوافع الاقتراح، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يكفي القصر والمنع؟ أم أن المسألة تحتاج إلى أطر قانونية وتنظيمية واضحة توازن بين الحق في التوثيق وواجب عدم الإضرار بالمصلحة العامة؟.
ربما يكون الطريق الأمثل هو وضع ضوابط محددة للنشر، لا للتصوير فقط، فالتكنولوجيا لا يمكن إعادتها إلى الوراء، لكن يمكن توجيه استخدامها، وقد يكون من الضروري إطلاق حملات توعية مجتمعية حول مخاطر النشر غير المسؤول، بالتوازي مع تحديث التشريعات لمواجهة جرائم بث الشائعات والمحتوى المضلل، وفي النهاية، نحن أمام معركة وعي قبل أن نكون أمام معركة قوانين، الصورة سلاح ذو حدين؛ يمكن أن تكون أداة إصلاح وكشف للخلل، ويمكن أن تتحول إلى أداة تشويه وهدم معنوي.
اقتراح ياسر جلال ليس مجرد مادة للتريند، بل مدخل لنقاش أوسع حول مسؤولية الكلمة والصورة في زمن الفوضى الرقمية، وبين مؤيد يراه ضرورة لحماية المجال العام، ومعارض يخشى من تقييد الحريات، تبقى الحقيقة أن المجتمع يحتاج إلى توازن دقيق بين الشفافية والانضباط، بين حرية التعبير وحماية الأمن القومي.








