
في إحدى محاضراتها الأخيرة، أطلقت الدكتورة غادة عامر، الخبير الاستراتيجي بمركز دعم واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء، تحذيرًا صريحًا مفاده أن ملايين البشر حول العالم يعيشون يوميًا تحت مظلة المراقبة والتتبع، من دون أن يدركوا أنهم مكشوفون تمامًا بفعل الأدوات والوسائل التقنية التي يستخدمونها، هذا التحذير لم يكن مجرد درس أكاديمي عابر، بل جاء متزامنًا مع تغيرات مثيرة للجدل شهدتها واجهات أنظمة الأندرويد الأسبوع الماضي، وأثارت تساؤلات حقيقية حول حجم سيطرتنا على حياتنا الرقمية، ومن الذي يملك الحق في مراقبتنا أو التحكم في بياناتنا.
اليوم، لم يعد التتبع الرقمي مجرد سيناريو نظري نقرأه في كتب الأمن السيبراني، بل أصبح واقعًا مفروضًا على الجميع، من المستخدم العادي الذي يتصفح وسائل التواصل الاجتماعي إلى الحكومات والمؤسسات الكبرى، فالتطبيقات الذكية التي نحمّلها يوميًا على هواتفنا تأتي غالبًا محمّلة بأذونات واسعة تسمح لها بجمع بيانات حساسة مثل الموقع الجغرافي، قائمة الأصدقاء، وحتى سجل المكالمات، وتبنى شركات التقنية العملاقة نماذج أعمالها على اقتصاد البيانات، حيث تتحول معلوماتنا الشخصية إلى وقود يشغّل الإعلانات المستهدفة، وصناعة التوصيات الرقمية، وربما أكثر من ذلك..وحتى البرمجيات المجانية التي نعتبرها “هدايا تقنية” تخفي وراءها ثمنًا باهظًا ندفعه من خصوصيتنا.
أصبحنا خلال سنوات معدودة – من دون وعي كامل – مادة خام في سوق المراقبة والتتبع، نُباع ونُشترى عبر الخوارزميات، واللافت أن التحذير الذي أطلقته الدكتورة غادة جاء متزامنًا مع التغيرات التي طرأت على واجهات المستخدمين في أنظمة الأندرويد خلال الأسبوع الماضي، هذه التغيرات-وإن بدت للبعض مجرد تحديثات تقنية عادية-إلا أنها تعكس جانبًا آخر من المعادلة: لماذا تفرض الشركات هذه التغييرات المفاجئة من دون استشارة المستخدمين؟، وكيف تؤثر هذه الواجهات على طريقة تعاملنا مع أجهزتنا، وبالتالي على حجم البيانات التي نشاركها دون قصد؟، وهل يمكن أن تكون بعض هذه التغييرات مجرد أدوات جديدة لإعادة ضبط بوصلات المراقبة والتتبع بطرق أكثر نعومة وذكاء؟.
الحقيقة أن واجهات أنظمة التشغيل لم تعد مجرد تصميم بصري يسهل علينا التعامل مع الهاتف، بل أصبحت جزءًا من منظومة السيطرة الرقمية التي تحدد كيف نفكر، وماذا نختار، وحتى كيف نشعر ونحن نضغط على زر أو نمرر شاشة، وما زال كثيرون يعتقدون أنهم يملكون القدرة على التحكم في خصوصيتهم الرقمية بمجرد إغلاق خاصية الموقع أو تقييد الأذونات داخل الإعدادات..لكن الواقع مختلف تمامًا، فحتى عند تعطيل الموقع، يمكن تتبع المستخدم عبر إشارات البلوتوث، أو أنماط الكتابة، أو حركة الهاتف داخل الشبكة، وحتى عند حذف التطبيقات، تبقى آثار البيانات محفوظة في خوادم الشركات، بل إن بعض أنظمة التشغيل نفسها قد تكون مصممة بطريقة تجعل المراقبة جزءًا أصيلًا من بنيتها.
إننا ببساطة نعيش في عالم أصبحت فيه الخصوصية رفاهية مفقودة، أو بالأحرى وهمًا نُقنع به أنفسنا كي نستطيع الاستمرار في استخدام التكنولوجيا بلا خوف دائم.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في أن هناك من يتتبع خطواتنا، بل في أن هذه المراقبة قد تتحول إلى أداة للسيطرة والتوجيه، فخوارزميات الذكاء الاصطناعي قادرة على رسم صورة دقيقة لشخصياتنا، وعاداتنا، ونقاط ضعفنا، ومن ثم يمكن استغلال هذه المعرفة في توجيه سلوكياتنا، سواء بدفعنا لاستهلاك منتج معين، أو التأثير على اختياراتنا السياسية، أو حتى إعادة تشكيل وعينا الجمعي ببطء..إنها ليست مراقبة فحسب، بل هندسة اجتماعية رقمية تتم بطرق خفية، تجعلنا نعتقد أننا أحرار، بينما نحن نسير في مسارات مرسومة مسبقًا.
المواجهة تبدأ من الوعي الفردي، حين يدرك كل منا أن الهاتف الذكي ليس مجرد أداة ترفيه، بل هو جهاز تتبع متنكر في ثوب أنيق، ثم يأتي دور الحوكمة الرقمية على مستوى الحكومات والمؤسسات، عبر تشريعات تضمن حماية بيانات الأفراد، وتضع حدودًا واضحة أمام شركات التقنية في كيفية جمع البيانات ومعالجتها.
الدكتورة غادة عامر وضعت إصبعها على الجرح حين نبهت إلى أن ملايين البشر يعيشون تحت المراقبة من دون إدراك، وهو ما يفرض علينا كأفراد ومجتمعات أن نعيد النظر في علاقتنا بالتكنولوجيا، لا باعتبارها صديقة مطلقة، بل باعتبارها قوة تحتاج إلى ضبط ورقابة مضادة..فنحن اليوم أمام مفترق طرق: إما أن نقبل بأننا كائنات رقمية مكشوفة، تتحكم فينا أنظمة تشغيل لا نفهم آلياتها، أو نعمل جاهدين لبناء ثقافة رقمية مقاومة، تعيد للإنسان حقه في أن يكون سيد بياناته لا مجرد سلعة على أرفف الخوارزميات.
التكنولوجيا ليست شرًا مطلقًا ولا خيرًا مطلقًا، لكنها -مثل أي قوة- تحمل في طياتها القدرة على التحرير كما تحمل القدرة على الاستعباد، والفرق بين الأمرين يكمن في وعينا، وفي قدرتنا على تحويل المراقبة إلى حماية، والتتبع إلى تطور، لا إلى قيد جديد في عصر يُفترض أنه يمنحنا حرية غير مسبوقة.