
لم تعد الهواتف الذكية في عصرنا الراهن مجرد “رفاهية” يمكن الاستغناء عنها أو تأجيل اقتنائها، بل تحولت إلى عصب الحياة اليومية والعمود الفقري للخدمات الرقمية والشمول المالي الذي تتبناه الدولة؛ فالهاتف المحمول اليوم هو المحفظة البنكية، ومنصة التعليم، ووسيلة العمل، والنافذة الشخصية لخدمات “مصر الرقمية”، ومع هذا التحول الجذري في نمط الاستهلاك، أصبح تحديث الهاتف الشخصي ضرورة تمليها الاحتياجات التكنولوجية المتسارعة لا مجرد رغبة في التغيير.
وفي قلب هذا المشهد، خاضت الدولة المصرية معركة شرسة لترسيخ أقدامها على خارطة التصنيع العالمي، ونجحت بامتياز في جذب عمالقة صناعة الهواتف الذكية لتدشين خطوط إنتاجهم فوق الأراضي المصرية، في خطوة استراتيجية تستهدف حماية الاقتصاد الوطني وتقليل الفاتورة الاستيرادية المرهقة، إلا أن هذه الجهود “المضنية” والنجاحات اللوجستية بدأت تصطدم بواقع مغاير تماماً يشعر به المواطن في جيبه، حيث تحولت أحلام “المنتج المحلي الأرخص” إلى كابوس سعري يهدد القدرة الشرائية للملايين.
إن التناقض الصارخ الذي نعيشه اليوم يكمن في معادلة صعبة الحل؛ ففي الوقت الذي فعلت فيه الدولة القوانين والتشريعات لحماية الصناعة الوطنية وتقديم الحوافز للمصنعين، نجد أن السوق استقبلت هذه التحركات بموجات غلاء غير مبررة، حيث تؤكد تصريحات المسؤولين في شعبة المحمول بالغرف التجارية أن الأسعار قفزت بالفعل بنسبة وصلت إلى 15%، والأدهى من ذلك هي تلك “النبوءات” القاتمة التي تلوح في الأفق بزيادات مرتقبة قد تلامس سقف الـ 30%، وهنا يبرز السؤال الجوهري والمشروع: كيف يستقيم دعم الصناعة الوطنية مع إثقال كاهل المستهلك بزيادات تفوق قدرته الاحتمالية؟ وهل يعقل أن تكون ضريبة “التوطين” هي حرمان المواطن من اقتناء أداة باتت أساسية كالمأكل والمشرب؟.
إن الضغوط الاقتصادية الحالية التي يواجهها المجتمع لا تحتمل مزيداً من المغامرات السعرية، خاصة في قطاع يعتمد عليه ملايين الشباب في كسب رزقهم عبر تطبيقات النقل التشاركي والتوصيل والتجارة الإلكترونية..كما أن حماية الصناعة الوطنية لا يجب أن تعني بأي حال من الأحوال خلق بيئة “احتكارية” أو السماح بانفلات سعري يمتص ثمار جهود الدولة في جذب الاستثمارات، فالمواطن الذي انتظر أن يرى عبارة “صنع في مصر” على هاتفه ليوفر بضعة آلاف من الجنيهات، فوجئ بأنه يدفع ثمناً يضاهي أو يفوق الهواتف المستوردة في بعض الأحيان، مما يضع علامات استفهام كبرى حول آليات الرقابة على الأسواق وتكلفة الإنتاج المحلي الفريفة، وإذا استمرت هذه الارتفاعات المتتالية، فإننا بصدد فجوة رقمية قد تعيق مسيرة التحول الرقمي للدولة، إذ سيحجم الكثيرون عن تحديث أجهزتهم المتهالكة، مما يؤثر سلباً على جودة الخدمات الرقمية المقدمة.
إن المرحلة الراهنة تتطلب توازناً دقيقاً يضمن استمرارية المصنعين العالميين في السوق المصرية، وفي الوقت ذاته يحمي “المستهلك النهائي” الذي يمثل الوقود الحقيقي لهذه الصناعة، فلا صناعة تنهض بلا سوق قادرة على الشراء، ولا اقتصاد يقوى إذا غابت عنه العدالة السعرية في السلع الاستراتيجية، ولعل الهواتف الذكية اليوم هي الأحق بلقب “السلعة الاستراتيجية الأولى” في عصر الرقمنة.







