قفزات فلكية لـ«البيتكوين»..العملة المشفرة ذات السمعة السيئة تهدد “الذهب”


بينما تتجه الدول إلى رقمنة تعاملاتها المالية، وتطبيق أنظمة الشمول المالي، التي تستهدف تجفيف العمليات المشبوهة وغير المشروعة مثل الاتجار في المخدرات وبيع الأعضاء البشرية وغسيل الأموال وتمويل الإرهاب، برز تحد جديد وهو التوجه نحو الاستثمار في العملات المشفرة ” البيتكوين “، والتي لا تخضع لأي رقابة مالية ويتم التعامل بها من خلال الجزء المظلم من الإنترنت الذي يطلق عليه “دارك ويب”، والذي من خلاله تتم جميع العمليات غير المشروعة الكبرى في العالم، لدرجة أن شبهات واجهت تنظيم داعش الإرهابي بأنه يتلقى تمويلاته من خلالها، كما حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من أن إيران قد تلتف على العقوبات الأمريكية من خلال “البيتكوين”.

ومؤخرًا قفز سعر ” البيتكوين ” خلال عام 2020 أربع قفزات كبيرة، مدفوعة بمخاوف تفشي وباء كورونا وانهيار الاقتصاديات العالمية، لاعتبارها الاستثمار الأكثر أمانًا من الذهب والدولار، وسط مخاوف من أن حزم التحفيز الحكومية الضخمة التي تسببت بها جائحة فيروس كورونا تغذي التضخم، لكي تصل تلك العملة ذروة ارتفاعها منذ ساعات بأن تخطت حاجز 30 ألف دولار، وأطلقت “باي بال” خدمة تداول العملات المشفرة عبر منصتها، ويصف البعض عملة بيتكوين بأنها بديل للذهب الذي انخفض ووصل لمستوى قياسي بلغ أكثر من 2000 دولار للأونصة في أغسطس الماضي، واستقر الآن عند 1879 دولارا للأونصة..كما يتوقع بعض المحللين أن تتنافس عملة بيتكوين المشفرة مع الذهب على الهيمنة العام الحالي.

وفي تقرير نشره موقع “نيوز ري” الروسي، قال الكاتب ميخائيل إسماعيلوف إن المنظمين حول العالم ما زالوا غير قادرين على تحديد ما تعنيه العملات المشفرة وجوهرها، حيث يعتقد البعض أنها قوة حقيقية وكاملة، ويعتبرها آخرون مجرد وسيلة للدفع، بينما يظنها جزء آخر خطرا يؤدي لتفاقم الأنشطة الإجرامية في جميع أنحاء العالم.

وبينما يدفع المتعاملون بالعملة المشفرة “بيتكوين”، إلى أنها عامل وقائي من أزمات تقلب الأسواق المستمرة تأثرًا بالأحداث العالمية خصوصًا تفشي وباء كورونا، يرد الخبراء والقانونيون على ذلك، بأن ذلك مجرد شائعات ترويجية، حيث لم يتم حتى الآن وضع إطار قانوني وتشريعي لها، إلا أنهم يرون أن خطورتها تتزايد مع تزايد الاعتراف بها، خصوصًا أن مارك زوكربيرج صاحب موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”، أعلن أن إدارة الشركة تسعى لاعتماد ” البيتكوين ” عملة الموقع الرسمية لتعاملات المستخدمين في العام الحالي، فضلا عن أن دولة مثل سنغافورة شرعنت لوجودها وأعلنت عن منصة “Huobi” كأول منصة لتداول وساطة جديدة لـ”الكريبتو” وهو البيتكوين وأخواتها، بهدف جذب المستثمرين والمؤسسات التقليدية لهذا السوق، تحت مسمى منصة للعملاء والمؤسسات سوف تقدم رسوم معاملات تنافسية وبأقل الأسعار، وفي حين تحظرها دول أخرى بشكل مباشر، يبقى فتح أسواق الولايات المتحدة أمامها بشكل قانوني الخطوة الأخيرة لكي تتسيد العالم.

يأتي ذلك وسط مخاوف عدم وجود عوامل أمان كافية أو احترام حقوق الملكية بين المتعاملين في “البيتكوين”، ويعتقد الخبراء أنها في النهاية لن تحل محل الأدوات الاستثمارية بقدر ما ستعوض وسائل الدفع، غير أن هذه المسألة ما زالت قيد المناقشة، ويرى الخبراء أن البنوك المركزية تتجه نحو حظر جزئي لهذه العملات، معتقدين أنها حتى الآن تلقى قبول من المضاربين فقط وليس المستثمرين على المدى الطويل، مع تضاعف الاعتماد عليها كوسيلة للدفع في الشهور القليلة المقبلة، رغم غياب التشريعات التي تنظم عمليات التبادل مقابل العملات المشفرة.

وكما نشأت العملات الرقمية عام 2009 من قبل شخص مجهول في اليابان، ففي نفس الدولة منذ ثلاث سنوات أعلنت إحدى شركات الإنترنت أن أكثر من 4 آلاف موظف لديها يحصلون على رواتبهم الشهرية بعملة ” البيتكوين “، وقتها أثار ذلك ردود فعل متباينة، حيث رأى البعض أنها مجرد مقامرة مثل الدخول في لعبة “اليانصيب”، لأن التمسك بالعملة المشفرة، سواء كان ذلك لمدة يوم أو أسبوع أو سنة، يجعل قيمتها معرضة للارتفاع أو الانخفاض، فمثلا إذا حصل موظف على ما قيمته 1000 دولار من العملة الرقمية قد يحقق زيادة قد تصل إلى 5000 دولار عند بيعها بعد فترة، لكن قد ينتهي الأمر إلى لا شيء إذا انخفضت قيمة البيتكوين .

ورصد موقع بيتويج Bitwage، وهو منصة مخصصة لتحويل الرواتب إلى العملة المشفرة، آلاف المستخدمين الجدد هذا العام، نظرا لأن الكثير من الناس اتجهوا إلى البيتكوين بعد الارتفاع السريع في أسعارها، حيث يقول الموقع إن “الكثير من الناس مؤخرًا يريدون الحصول على جزء، وأحيانا كل رواتبهم بعملة البيتكوين “، وأن الشركة تعاملت في تحويل أجور مئات الآلاف من الموظفين في آسيا والولايات المتحدة وأوروبا وأمريكا اللاتينية، بما فيهم موظفون في البحرية الأمريكية وجوجل وفيس بوك، وهي الرواتب التي تم خصم الضرائب المستحقة عليها من المنبع.

وفي إحدى الشركات بسنغافورة، دأب المسئولون على دفع المكافآت الشهرية لموظفيها بعملة رقمية خاصة بها، بخلاف الرواتب الأساسية التي يتم تحويلها لحساباتهم بالبنوك، وقال مؤسس الشركة ورئيسها جوليان هوسب، إنه ليس من المنطقي شراء “بيتكوين” لدفع المكافآت إذا كانت لدى الشركة بالفعل عملتها الخاصة، موضحًا أن ذلك يمكن أن يحفز الموظفين لأن قيمة العملة الرمزية يجب أن ترتفع بما يتماشى مع نجاح الشركة، معلنًا أن مدير الشركة مايك فيرير ذهب لأبعد من ذلك واختار أن يحصل على جزء من راتبه الأساسي بالعملة الرقمية بالإضافة إلى المكافأة الشهرية له.

ويعتبر الاقتصاديون عملة ” البيتكوين ” أول عملة تشفير رقمية غير مركزية بالعالم، والتي بدأت في عام 2009 من قبل مبرمج ياباني مجهول تحت اسم مستعار “ساتوشى ناكموتو”، واكتسبت سمعة هائلة عالميًا، ومع تزايد شهرتها و العملات المشفرة الأخرى تزايدت إثارة الناس لفهم المزيد عنها، فقد شهدت انتقادات كبيرة من كل مكان، وكان يُعتقد أنها عملية احتيال نظرًا لميزاتها المتضاربة، لكن في النهاية عندما بدأ خبراء من مختلف المجالات في دراسة تقنياتها أدركوا إمكانات العملات الرقمية وبدأوا بالبحث عنها بطريقة أكثر إيجابية.

وحدد الخبراء مزايا وعيوب العملات الرقمية، وأهم عيوبها كونها غامضة ومجهولة عكس المدفوعات التي تتم عبر البنوك فيمكن تتبع المعاملات وتسميتها، في حين أن معاملات عملات ” البيتكوين ” لا يمكن التعرف عليها، وبناءً عليه يمكن لأي شخص فهم عناوين محفظة ” البيتكوين ” التي تم إرسال الدفع إليها، لكن دون التعرف عن الشخص الذي تم نقل العناوين إليه.

وتتمثل مميزاتها في أن الدفع من خلالها يوفر أقصى درجات الحرية فيمكن نقلها لأي شخص في العالم، دون وسيط أو عملات رسمية أو حدود للدفع، كما أن عملية نقل الأموال من خلالها غير مكلفة وفي بعض الأحيان بدون رسوم، وذلك لأن كل شيء يعتمد على أولوية الشخص نفسه بمعنى أنه إذا كان يريد إعداد معاملات بسرعة فيجب عليه دفع رسوم المعاملة، وهذا لا يعنى أنها ستكون مكلفة بل هي منخفضة التكاليف مقارنة بالمعاملات الأخرى في الأسواق المالية المختلفة، كما يقال إن معاملات ” البيتكوين ” آمنة وثابتة ولا تحمل أي معلومات حساسة أو خاصة للعملاء، فهي آمنة للتجار من الأضرار التي تتأثر بالاحتيال أو تحميل التكاليف، فضلا عن كون صفقاتها سريعة جدًا مقارنة بالطرق المصرفية الأخرى، وسهلة مثل رسائل البريد الإلكتروني، وأيضًا يمكن معالجتها على الفور في ظروف معينة، حيث تستغرق المعاملات المؤكدة عادة ما لا يقل عن 10 دقائق للمعالجة، وتوفر خدمات بطاقة الائتمان أو المحفظة الرقمية خدمات معاملات فورية معتمدة، لكنها عادة ما تتقاضى رسومًا كبيرة.

في الوقت نفسه يقف في صف العيوب، أنه لا يمكن للحكومات التحكم بها، لأنها غير مركزية ولا أحد يملك سلطة عليها، لكن يمكنهم حظرها، كما أن كثير من الناس لا يزالون غافلين عن مدى خطورتها، في ظل أنها كل يوم تكتسب المزيد من الشرعية من قبل المنظمات التجارية ولكن مع ذلك فهى مجموعة صغيرة، بالإضافة إلى تقلب أسعارها بين الارتفاع والانخفاض، فبينما يرغب البعض في الاستفادة منها لكن بعض المستثمرين يعتقدون أنها غير آمنة للغاية، وبالتالي فإن جميع المستثمرين لا يستثمرون في عملة البيتكوين .

ولأنه تم استخدامها لإخفاء أصول الأموال التي تم الحصول عليها بطريقة غير قانونية، وكان معظم المتعاملون بها أشخاص يعملون في الأسواق السوداء، فقد اكتسبت سمعة سيئة، خصوصًا وأن هؤلاء لا يرغبون في الكشف عن معلوماتهم الشخصية والحصول على تسوية الدفع، كما أن عمليات غسيل الأموال يقوم الوسطاء خلالها بتجميع الأموال من مصدر ونقلها إلى مصدر آخر من خلال ” البيتكوين “.

 

كاتب هذا المقال: الكاتب الصحفى محمود سعد دياب بمؤسسة الأهرام ..وتم نشره فى بوابة الأهرام بتاريخ 2 يناير 2021

المهندس رامى إسحق

www.ict-misr.com
x

‎قد يُعجبك أيضاً

“الاتصالات” تعقد ورشة عمل حول التطوير المؤسسى والتحول الرقمي

www.ict-misr.com

error: Alert: Content is protected !!