قصص حقيقية: “أنا .. والعقرب”


1- طين X طين

فى قريتنا الجميلة، التى ظلت حتى وقت قريب محتفظة بكافة معالم الماضى السحيق فى كل شيئ، مبانيها من الطوب النيئ الذى تم إستبدال الاسمنت فى بنائه بالطين ليصبح “طين X طين”، وبالتالى أصبح أعلى بناء فيها لا يتجاوز الطابقين.

الأسقف يتم إستخدام جذوع النخل فى تشييدها؛ وذلك بعد شقها نصفين، ووضع “جريد النخل” فوقها، ومن ثم من الطبيعى أن يتم “تبليطها” بالتراب والماء لصنع طبقة من الطين تعد أرضية للطابق العلوى، وبعض الأذكياء يضيفون على الطين طبقة من “قش القمح” الذى يطلق عليه “تبن” ليجعله “مسلح” أو أشد صلابة ..!!

كل ذلك كان السمة المميزة لقريتنا المتواضعة حتى نهاية ثمانينات القرن الماضى، حتى إكتشف أهل قريتنا والقرى المجاورة أن هناك سبيل سريع للثراء عن طريق السفر للعمل بالدول العربية..من ساعتها بدأت الحركة العمرانية ببلدتنا تتغير تبعاً لمدى ثراء صاحب العقار.

عامل آخر ساهم فى التغييرات العمرانية؛ وهو دخول الكهرباء إلى منازل القرية وشوارعها عبر هذا “المحول” المتواضع الموجود فى إتجاه الغرب وسط الحقول، وعلى الرغم من عدم الاستفادة الكبيرة من دخول الكهرباء لعدم وجود أجهزة منزلية تعمل بالكهرباء سوى الراديو، إلا أنه كان مبشراً بإنطلاقة باتت قريبة فى التطور واللحاق بركب البشرية.

كانت الإضاءة المستخدمة فى المنازل عبارة عن مصابيح صنعت من “علب البيروسول”، والتى تم ثقبها وحشوها بالكيروسين، ووضع فتيل فى وسطها، وإشعاله، ليتمايل يمينا ويساراً عكس إتجاه الهواء لتختلط الرؤية فيه مع الشعاع الضعيف الصادر منه..ولم يختلف الأمر كثيراً عقب دخول الكهرباء، حيث كانت أغلب المنازل تخشى من “الفاتورة العالية” التى من الممكن أن يتم مطالبتهم بها آخر الشهر، ولذلك كان أكبر المنازل لا تزيد فيه عدد المصابيح عن أصابع اليد الواحدة..!!

أثرياء قريتنا –قبل دخول الكهرباء- كانوا يمتلكون “الكلوب”، وهو وحدة إضاءة مبتكرة كانت تعمل بالكيروسين وقتها ثم إستحدث نوعاً منها أكثر تطوراً يعمل بالغاز، وكان مصباحه عبارة عن “شراب من الشاش” يسمى “رتينة”، كانت رقيقة للغاية يسهل قطعها أو تكسرها فى أى صدمة، إلا أنه للحق كان ذو ضوء أبيض شديد مبهر.

أمام المنازل لا تتعجب إذا رأيت أكوام كبيرة قد لا تعرف محتواها، وأدلك أنا: محتواها فضلات البهائم والمواشى، والتى تسمى “جلة” بلغة الصعيد، تستخدم كوقود قوى لـ “الكانون” والأفران، وحديثاً يتم منها إستخراج غاز الميثان الذى يستخدم كوقود.

من كل ما سبق نكتشف مما لا يدعوا للشك لحظة أن هذه البيئة خصبة جداً لأن يرتع فيها كل الهوام والدبيب؛ أى كافة الحشرات والآفات من ثعابين وعقارب وغيرها، فتجد فى شقوق المنازل مخبأً مؤمناً، وتجد وسط الطين بيئة مغذية..وضحاياها منتشرين فى كل البقاع..ومن هنا تبدأ قصصنا.

يتبع .. 2- بعد السحور www.ict-misr.com

x

‎قد يُعجبك أيضاً

طابع بريد تذكارى بمناسبة إنشاء جامعة مصر للمعلوماتية

www.ict-misr.com

error: Alert: Content is protected !!