
في قلب معركة التجارة العالمية التي تشعلها الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، تبرز أزمة خفية لكنها تهدد بتعطيل عمودي فقري حيوي للاقتصاد الحديث. إنه عنصر “الإيتريوم”.
عنصر “الإيتريوم”..ذلك المعدن النادر الذي لا يعرفه الكثيرون، لكنه بمثابة شريان الحياة لصناعات تكنولوجية وعسكرية متطورة. فالصين، القوة العظمى في سلسلة توريد المعادن النادرة، والتي تنتج لوحدها أكثر من 95% من الإيتريوم عالمياً، تشدد قبضتها على صادراتها رداً على تلك الرسوم، مما يخلق عاصفة كاملة تهدد بزلزلة أسس صناعات الطيران، الإلكترونيات، أشباه الموصلات، وحتى الجهود العالمية للتحول towards الطاقة النظيفة.
الإيتريوم ليس مجرد معدن من بين 17 معدنًا نادرًا؛ إنه حجر الزاوية في عالم التكنولوجيا الفائقة. تخيل طائرة بدون محركات توربينية قوية ومقاومة للحرارة العالية، أو هاتفك الذكي بدون شاشة ملونة نابضة بالحياة، أو حتى صواريخ موجهة بدقة لا تصيب إلا أهدافها، وراء كل هذه الابتكارات يقف الإيتريوم. فهو المكون السحري في صناعة “الزركونيا المكعبة المثبتة بالإيتريوم” التي تستخدم في طلاء ريش توربينات الطائرات ومحركات الصواريخ، لتمنحها متانة خارقة وتحميها من الانهيار تحت درجات الحرارة الجهنمية. وهو العنصر الذي يبعث الحياة في شاشات “الفوسفور” في الهواتف وأجهزة التلفاز، مولدًا الألوان الأحمر الفائق النقاء.
والأهم من ذلك، يلعب الإيتريوم دوراً محورياً في صناعة أشباه الموصلات، حيث يستخدم في تصنيع رقاقات ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية (DRAM) والمكونات الإلكترونية الحساسة الأخرى، مما يجعله وقوداً للتقدم في عصر الثورة الرقمية.
ولكن السلسلة التي تمد العالم بهذا العنصر الحيوي على وشك الانقطاع، فالصين، التي تحتكر السوق العالمي، تستخدم سلاح تصدير الإيتريوم كرد استراتيجي على الرسوم الجمركية الأمريكية. فبدلاً من حظر مباشر، تلجأ إلى أدوات أكثر دهاءً: فرض قيود تصدير غير مباشرة، تشديد الرقابة الجمركية، إطالة أمد إجراءات الترخيص، ورفع الرسوم الجمركية الخاصة بها على الصادرات.
النتيجة هي شح تدريجي لكنه حاد في المعروض العالمي، مما أدى إلى ارتفاع جنوني في الأسعار بلغ أكثر من 300% خلال أشهر قليلة، وإثارة حالة من الذعر بين الشركات المصنعة من طوكيو إلى ديترويت.
تداعيات هذا النقص لا تقتصر على ارتفاع التكاليف فحسب، بل تمتد إلى إعاقة خطوط الإنتاج بالكامل، ففي مصانع الطيران، بدأ القلق يسري بين عمالقة مثل “بوينغ” و”إيرباص” حول قدرتها على الوفاء بطلبات الطائرات الجديدة إذا استمرت أزمة الإيتريوم. فالمحركات التوربينية الحديثة لا تعمل بشكل فعال بدون الطلاءات المقاومة للحرارة المصنوعة من الإيتريوم، وبدونها، تصبح الطائرات أثقل وأقل كفاءة وأكثر عرضة للأعطال.
وفي مصانع أشباه الموصلات في كوريا الجنوبية وتايوان، بدأت الشركات في تخزين الإيتريوم بشكل هستيري، خوفاً من توقف خطوط إنتاج الرقاقات الإلكترونية التي تقوم عليها كل شيء من السيارات إلى مراكز البيانات. حتى صناعة السيارات الكهربائية، رمز المستقبل الأخضر، ليست في مأمن من الأزمة، حيث يدخل الإيتريوم في صناعة محركاتها الكهربائية وبطارياتها عالية الكفاءة.
هذه الأزمة تكشف عن نقطة ضعف استراتيجية مروعة في الاقتصاد العالمي: الاعتماد شبه الكلي على مصدر واحد لمادة حيوية، لقد استغلت الصين لعقود موقعها كـ “أكبر مورد عالمي” لتعزيز سيطرتها الجيوسياسية، والآن، في خضم حرب تجارية، تسحب ورقة الرابح من يدها.
العالم وجد نفسه فجأة في موقف لا يحسد عليه، حيث تجلس بكين على كنز من “الذهب الرقمي” وتتحكم بمصير صناعات تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات.
الحلول ليست سهلة أو فورية. فمحاولات إعادة إحياء مناجم الإيتريوم في دول مثل الولايات المتحدة (في جبل باس) أو أستراليا تواجه تحديات بيئية هائلة وفترات إعداد طويلة قد تمتد لسنوات، كما أن عملية فصل وتكرير المعادن النادرة معقدة ومكلفة وتخلف نفايات سامة، مما يجعل نقل هذه الصناعة خارج الصين مغامرة غير مضمونة العواقب. في المقابل، تبحث المختبرات حول العالم عن بدائل أو تقنيات لإعادة التدوير، لكن هذه الحلول لا تزال في مهدها ولن تتمكن من سد الفجوة الحالية.
المشهد الحالي يشبه لوحة لمعركة مصيرية؛ من جهة، رسوم ترامب الجمركية التي أشعلت فتيل الأزمة، ومن جهة أخرى، قيود الصين التي ضاعفت من حدتها، وفي الوسط، تقف الصناعات العالمية الأكثر تطوراً على حافة الهاوية، تتأرجح بين البحث عن موردين جدد، تخزين احتياطي استراتيجي، أو خفض الإنتاج.
الأزمة ليست مجرد ندرة في معدن، بل هي اختبار حقيقي لمرونة النظام الاقتصادي العالمي في عصر التكنولوجيا والصراعات الجيوسياسية. إنها تذكير قاس بأن طريق التقدم التقني معبد بموارد نادرة وهشة، وأن أي اختلال في تدفقها قد يهدد بإطفاء الأنوار عن مستقبل كنا نعتقد أنه مشرق بلا حدود. العاصفة لا تزال في بدايتها، وعواقبها قد تشكل خريطة الصناعة والتحالفات العالمية لعقود قادمة.
وفي تطور جديد يكشف عمق تداعيات هذه الأزمة عالميًا، دق “مركز دعم واتخاذ القرار” التابع لمجلس الوزراء المصري ناقوس الخطر، مشيرًا في تقرير صدر اليوم إلى أن تبعات هذه الأزمة لا تقتصر على الدول الصناعية الكبرى فحسب، بل تمتد لتطال اقتصادات الأسواق الناشئة والنامية أيضًا.
وجاء التقرير، الذي يُعد إشارة واضحة على قلق الحكومات، ليلقي الضوء على كيف أن عاصفة الإيتريوم الصغيرة قد تثير أعاصير اقتصادية في أماكن غير متوقعة. وحذر التقرير من أن ارتفاع أسعار المكونات الإلكترونية والأجهزة الطبية المتقدمة، التي يدخل الإيتريوم في صناعتها، سيرفع تكلفة الخطط القومية للتحول الرقمي وتطوير البنية التحتية التكنولوجية. كما أن برامج تطوير صناعة الطيران المحلي والنقل السككي عالي السرعة، التي تعتمد على محركات توربينية متطورة، قد تواجه عقبات مالية وفنية غير مسبوقة بسبب شح هذا المكون الحاسم.
وفي قلب هذه العاصفة، تبرز صناعة الهواتف الذكية كواحدة من أكثر القطاعات تأثراً بشكل مباشر ومقلق، حيث يقف الإيتريوم خلف أحد أهم أسرار جاذبية هذه الأجهزة التي لا تفارق أيدينا: شاشاتها المتلألئة.
فالفوسفور المشبع بالإيتريوم هو المسؤول عن إنتاج الألوان الأحمر النقي والحيوي الذي يمنح الشاشات وضوحاً وحيوية نراهما بالعين المجردة. دون هذا المكون السحري، ستتحول شاشات الهواتف إلى ألوان باهتة وغير دقيقة، مما يهدد بتقويض تجربة المستخدم التي تناضل الشركات من أجل تطويرها. لكن التأثير لا يتوقف عند جودة الصورة؛ فاضطراب الإمدادات يعني ارتفاعاً جنونياً في تكاليف التصنيع، مما قد يدفع الشركات إلى رفع الأسعار أو خفض الجودة، في وقت تشتد فيه المنافسة وتتجه الهواتف إلى أن تكون أدوات أساسية للعمل والتعلم والاتصال.
الأمر الأكثر خطورة يتمثل في تهديد هذا النقص لاستراتيجيات التحول الرقمي الطموحة التي تتبناها الحكومات والشركات حول العالم. فخطط التحول الرقمي التي تعتمد على انتشار الأجهزة الذكية بأسعار معقولة، وتطوير البنية التحتية للاتصالات، وتوسيع نطاق الاقتصاد الرقمي، تجد نفسها على مفترق طرق خطر.
فشح الإيتريوم لا يعطل فقط تصنيع الهواتف، بل يهدد بتعطيل إنتاج مجموعة كاملة من الأجهزة الإلكترونية والحواسيب والخوادم التي تشكل العمود الفقري للعالم الرقمي. الدول النامية، التي تسعى لسد الفجوة الرقمية، قد تجد أحلام التحول الرقمي تتحطم على صخرة ندرة معدن لا تملكه ولا تتحكم في أسعاره. وهكذا، تتحول أزمة معدن نادر إلى تهديد وجودي لمستقبل الرقمنة، حيث يصبح الطريق إلى المستقبل الرقمي مهدداً بشبح الماضي الصناعي، في مفارقة تاريخية تظهر هشاشة أساسات عالمنا التكنولوجي الذي نظنه منيعاً.
هذا التحذير الرسمي من قلب القاهرة يضيف بُعدًا جيوسياسيًا أكثر تعقيدًا للأزمة، فهو لا يؤكد فقط حدة التأثيرات العالمية، بل يسلط الضوء على مخاوف الدول التي لا تملك مقعدًا على طاولة المفاوضات التجارية بين العملاقين، لكنها تدفع فاتورة صراعهما.
وأكد تقرير المركز أن اضطراب سلاسل توريد أشباه الموصلات سيهدد برامج التصنيع المحلي في العديد من الدول النامية التي تسعى لجذب استثمارات في الصناعات التكنولوجية المتوسطة والعالية. وبذلك، لم تعد الأزمة مجرد تحدٍّ لوجستي أو مالي للشركات متعددة الجنسيات، بل تحولت إلى تهديد استراتيجي لطموحات التنمية الوطنية في دول كانت تعول على اللحاق بركب الثورة الصناعية الرابعة.
مصر-الرقمية_1816_123114.jpg" alt="" width="674" height="485" />
الرسالة التي يوجهها التقرير المصري واضحة: العالم أمام أزمة موارد استراتيجية ليست مؤقتة، وأن انهيار أحد اللبنات الخفية في نظامنا التكنولوجي، مهما كان صغيرًا، يمكن أن يعطل مسارات تنموية بأكملها.
هذا الاعتراف من حكومة دولة كبرى يضع الأزمة في إطارها الحقيقي، إطار الأمن القومي والاستقلال الاقتصادي. وهو ما يدفع نحو ضرورة قيام تحالفات دولية جديدة للبحث الجماعي عن حلول، واستثمارات عاجلة في البدائل التكنولوجية، وربما مراجعة شاملة لسياسات الاحتياطي الاستراتيجي من المعادن النادرة.
المشهد لم يعد يحتمل الانتظار، فتحذيرات مثل التي أطلقها مركز دعم واتخاذ القرار المصري اليوم هي بمثابة صفعات واقع للأمم جميعًا كي تستفيق من سباتها، فالعاصفة القادمة من مناجز الصين النائية لا تحتمل أي تأجيل.


















