الأرشيفمقالات
أخر الأخبار

خالد أبو المجد يكتب: الرهان الحقيقي..!!

لم يعد الهاتف المحمول مجرد أداة اتصال يومية، بل أصبح أحد أهم رموز الاقتصاد الرقمي المعاصر، وصناعة استراتيجية تتقاطع فيها التكنولوجيا مع السيادة الاقتصادية، وسلاسل الإمداد مع السياسات الصناعية، والابتكار مع مفاهيم النمو المستدام، ومن هذا المنطلق، فإن الخطوات التي اتخذتها مصر في طريق تصنيع الهواتف المحمولة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد مشروع صناعي محدود، بل بوصفها تحولًا هيكليًا في رؤية الدولة للاقتصاد والإنتاج.

لسنوات طويلة، ظل السوق المصري معتمدًا بشكل شبه كامل على استيراد الهواتف المحمولة، وهو ما فرض أعباءً واضحة على ميزان المدفوعات، في ظل ارتفاع الطلب المحلي واتساع قاعدة المستخدمين، ومع تعاظم التحديات الاقتصادية العالمية واضطراب سلاسل التوريد، بات من الضروري البحث عن نموذج أكثر استدامة، يوازن بين تلبية احتياجات السوق وتقليل الاعتماد على الخارج، وهو ما دفع الدولة إلى تبني خيار التصنيع المحلي كمسار استراتيجي لا رجعة فيه.

خلال الفترة الأخيرة، بدأت ملامح هذا التحول تظهر بوضوح، مع دخول عدد من الشركات العالمية والإقليمية إلى السوق المصري عبر التصنيع أو التجميع المحلي، وإنشاء مصانع حديثة مزودة بخطوط إنتاج متطورة، ولم تعد عبارة “صُنع في مصر” مجرد لافتة تسويقية، بل أصبحت واقعًا ملموسًا في الأسواق، يعكس قدرة الصناعة المحلية على الالتزام بالمعايير الدولية للجودة، والاستجابة لاحتياجات المستهلك المصري.

هذا التحول الصناعي انعكس بشكل مباشر على مؤشرات الاقتصاد الكلي، إذ أسهم في تقليص فاتورة الاستيراد وتخفيف الضغط على العملة الأجنبية، كما أضاف قيمة حقيقية للناتج المحلي الإجمالي من خلال صناعة تعتمد على التكنولوجيا وتحقق قيمة مضافة مرتفعة مقارنة بالصناعات التقليدية..وإلى جانب ذلك، وفّرت مصانع الهواتف المحمولة فرص عمل نوعية، شملت مهندسين وفنيين ومتخصصين في مجالات الجودة وسلاسل الإمداد، فضلًا عن تأثيرها غير المباشر في تنشيط عدد من الصناعات والخدمات المرتبطة.

ولم يكن هذا التطور ليحدث دون دور منظم للدولة، التي تعاملت مع الملف باعتباره أولوية صناعية واقتصادية، عبر تقديم حوافز استثمارية، وتيسير الإجراءات، ودعم المناطق الصناعية والتكنولوجية، وربط صناعة الإلكترونيات برؤية أشمل للتحول الرقمي وبناء اقتصاد قائم على المعرفة، هذا الدور لم يهدف إلى إدارة المصانع، بل إلى خلق بيئة جاذبة قادرة على استقطاب الاستثمارات ونقل الخبرات وتعميق التصنيع المحلي تدريجيًا.

ورغم ما تحقق من تقدم، فإن صناعة الهواتف المحمولة في مصر لا تزال في مرحلة البناء، وتواجه تحديات تتعلق بتعميق التصنيع المحلي لبعض المكونات الدقيقة، وتقليل الاعتماد على الواردات الوسيطة، ومواجهة المنافسة الشرسة من الأسواق الآسيوية منخفضة التكلفة، غير أن التعامل مع هذه التحديات بات أكثر واقعية ونضجًا، في ظل إدراك واضح بأن بناء صناعة تكنولوجية قوية هو مسار تراكمي طويل الأمد، لا يُقاس بنتائج سريعة أو مكاسب آنية.

الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة يتمثل في الانتقال من مجرد التجميع إلى التصنيع المتقدم، ثم إلى الابتكار، عبر الاستثمار في البحث والتطوير، وتطوير البرمجيات محليًا، وبناء كوادر بشرية قادرة على التعامل مع التكنولوجيا المتقدمة، كما تبرز فرصة حقيقية أمام مصر للاستفادة من موقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية، لتصبح مركزًا إقليميًا لتصنيع وتصدير الهواتف المحمولة إلى الأسواق الأفريقية والعربية، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة لزيادة الصادرات وتعزيز الدخل القومي.

في جوهرها، لا تتعلق صناعة الهواتف المحمولة بالأجهزة في حد ذاتها، بقدر ما تتعلق بما تحمله من دلالات أوسع تتصل ببناء اقتصاد رقمي حقيقي، وتعزيز السيادة التكنولوجية، وخلق فرص مستقبلية للشباب، وإذا نجحت مصر في استكمال هذا المسار بثبات واتساق، فإنها لا تصنع هاتفًا محمولًا فحسب، بل تؤسس لمرحلة جديدة من التنمية الصناعية، تقوم على الإنتاج والمعرفة والانفتاح على المستقبل.

error: Content is protected !!