
في الوقت الذى تسعى فيه الدولة المصرية إلى إعادة ضبط سوق الهواتف المحمولة، وحماية الصناعة الوطنية، وضبط منظومة الاستيراد والتهريب، أصدر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات الخاصة قرارات بفرض الضرائب على الهواتف الواردة من الخارج وإلغاء الاستثناءات للمسافرين والعائدين من الخارج، لتفتح بابًا واسعًا للنقاش المجتمعي والاقتصادي حول أفضل السبل لتحقيق المعادلة الصعبة: حماية الصناعة الوطنية دون الإضرار بالمواطن أو المغترب.
ومن قلب هذا النقاش، طرح المهندس المغترب المصري محمود طنطاوي، رؤية ذكية تستحق أن تتحول إلى سياسة عامة لا مجرد رأي، لأنها لا تعتمد على المنع والإجبار، بل على التحفيز وجذب القوة الشرائية للمغتربين لصالح الاقتصاد الوطني، أعرضها عليكم كما وصلتنى:
“ترى المبادرة أن المنطق التقليدي في مثل هذه القرارات يقوم على فكرة المنع: منع دخول الهاتف دون رسوم، منع الاستثناءات، فرض الضرائب والرسوم..وهو منطق مفهوم في إطار حماية السوق وضبط التهريب، لكنه يظل منقوصًا ما لم يُستكمل بمنطق موازٍ قائم على التحفيز الاقتصادي الذكي، فالمغترب المصري ليس خصمًا للاقتصاد الوطني، بل أحد أهم روافده، وهو صاحب قوة شرائية مرتفعة، يحمل عملة صعبة، ويمتلك استعدادًا فطريًا لدعم بلده إذا شعر أن بلده تدعمه..وهنا يأتي السؤال الحقيقي: هل نريده أن يعود بجهاز اشتراه من الخارج؟، أم نريده أن يعود لينفق أمواله داخل السوق المصري؟”.
ويستكمل المهندس محمود طنطاوي: “الواقع يقول إن مصر اليوم أصبحت مركزًا مهمًا لتصنيع الهواتف الذكية، وتنتج طرازات عالمية من كبرى الشركات، وعلى رأسها سامسونج، لكن الفجوة السعرية ما زالت تمثل أزمة حقيقية..هذه الفجوة لا تخلق فقط دافعًا طبيعيًا للشراء من الخارج، بل تفتح بابًا واسعًا للتهريب والتجارة غير الرسمية، مهما بلغت قوة الإجراءات الرقابية، فالاقتصاد لا يُهزم بالقوانين وحدها، بل يُهزم عندما يكون السعر المحلي هو الأفضل، وفي كبرى الشركات العالمية، لا يتم التعامل مع الأسواق بمنطق السعر الموحد، بل بمنطق “التسعير الذكي” الذي يراعي القوة الشرائية والمنافسة الإقليمية..وهنا تبرز فكرة جوهرية: لماذا لا يكون الهاتف المصنع في مصر هو الأرخص في المنطقة؟، ولماذا لا تتحول مصر إلى مركز بيع إقليمي بأسعار تنافسية حقيقية؟، بدلًا من أن يسافر المصري ليشتري هاتفه من الخليج أو أوروبا، يمكن أن يأتي السائح والمغترب ليشتري هاتفه من القاهرة، وهنا نكون قد قلبنا المعادلة بالكامل”.
ويضيف: “الاقتراح الذي يستحق الدراسة والتنفيذ يتمثل في إطلاق مبادرة وطنية تحت عنوان: “المغترب في القلب”، مبادرة تسمح للمغترب المصري بشراء هاتف مصنع في مصر بخصم خاص أو استرداد ضريبي عند الدفع بالعملة الصعبة داخل مصر، بحيث يصبح السعر النهائي أقل من سعر الهاتف في دول الخليج أو أوروبا..وبهذه الخطوة نحقق عدة أهداف استراتيجية دفعة واحدة: دوران عجلة الإنتاج المحلي، وزيادة مبيعات المصانع المقامة على أرض مصر، وتعظيم الطاقة التشغيلية، وجذب العملة الصعبة، وتعزيز الولاء الاقتصادي، وتجفيف منابع التهريب، وتحويل المغترب إلى سفير اقتصادي يروج للشراء من مصر بدلاً من الخارج”.
ويؤكد: “يمكن توسيع نطاق المبادرة لتشمل أي قادم إلى مصر يحمل تأشيرة دخول حديثة، حتى لو لم يكن مغتربًا، عبر منحه خصمًا مباشرًا من المصنع أو من منافذ البيع المعتمدة، يصل إلى 30% مثلًا..فالسياسات الاقتصادية الناجحة لا تقوم على العقاب ولا المنع ، بل على الحوافز وخلق البدائل الأفضل..وإذا كانت مصر قد نجحت في توطين صناعة الهواتف المحمولة، فالخطوة التالية هي أن تنجح في توطين قرار الشراء ذاته”.







