أخبارالأرشيفتقارير
أخر الأخبار

خوارزميات “الغضب الملحمي”: كيف أدار الذكاء الاصطناعي “كلود” أوسع هجوم جوي ضد إيران؟

بقلم: أ.د/ غادة محمد عامر خبير الذكاء الاصطناعي بمركز دعم واتخاذ القرار برئاسة مجلس الوزراء - زميل ومحاضر الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية - أستاذ هندسة النظم الكهربائية بجامعة بنها

في فجر السبت، الثامن والعشرين من فبراير 2026، لم تكن سماء الشرق الأوسط مجرد ساحة لاشتعال الصواريخ، بل كانت مختبراً حياً لأخطر تحول في تاريخ النزاعات المسلحة.

وبينما كانت المقاتلات تشق عباب الجو نحو العمق الإيراني في أضخم حملة جوية منذ غزو العراق، لم يكن القائد الفعلي يجلس في قمرة قيادة أو غرفة عمليات تقليدية، بل كان كياناً برمجياً يحلل ملايين البيانات في أجزاء من الثانية؛ إنه نموذج الذكاء الاصطناعي “كلود” (Claude) التابع لشركة “أنثروبيك”، الذي بات “العقل المدبر” وراء عملية “الغضب الملحمي”.

كشفت تقارير استقصائية لصحيفة “وول ستريت جورنال” وموقع “أكسيوس” أن القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) لم تكتفِ بالبشر لإدارة هذه المعركة المعقدة، بل وظفت نموذج “كلود” كقائد عمليات رقمي تفوق قدراته المعالجة البشرية بمراحل.

تولى النظام مهمة تحديد الأهداف بدقة متناهية، ومعالجة البيانات غير المنظمة المتدفقة من الميدان، محولاً إياها إلى قرارات تكتيكية فورية.

ولأول مرة، تم ربط “كلود” لحظياً بغرف العمليات الإسرائيلية، مما خلق تناغماً غير مسبوق بين سلاح الجو الإسرائيلي والمدمرات الأمريكية في الخليج العربي، لتتحول الحرب إلى سيمفونية تقنية منسقة.

لقد نجح “كلود” في بناء “بنك أهداف” يضم أكثر من 500 موقع إيراني حساس، شمل منشآت نووية وقواعد للصواريخ الباليستية، وذلك عبر تحليل الصور الفضائية واعتراض الإشارات الاستخباراتية (SIGINT) في ثوانٍ معدودة.

ولم يتوقف الأمر عند الرصد، بل أتاح للمحللين طرح تساؤلات تكتيكية بلغة طبيعية، ليجيب النظام بمحاكاة احتمالية دقيقة.

وقبل انطلاق الصاروخ الأول، كان “كلود” قد أجرى آلاف عمليات المحاكاة (Wargaming) للتنبؤ بردود الفعل الإيرانية ورسم مسارات طيران تلتف على منظومات الدفاع الجوي المتطورة مثل S-300 وS-400 الروسية.

بالتوازي مع هذا التفوق الخوارزمي، كشفت “فايننشال تايمز” عن دور الذكاء الاصطناعي في تتبع المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، في عملية أطلق عليها “الأسد الزائر”.

فمن خلال اختراق شبكات كاميرات المرور وتوظيف تقنيات التعرف البصري، تم رسم خريطة دقيقة لروتين خامنئي وتحركاته اليومية.

هذه الرقابة اللصيقة مكنت المخططين من اختيار “الثغرة الزمنية” المثالية لشن ضربة بـ 30 صاروخاً من طراز “سبارو” استهدفت مجمعه السكني نهاراً، تزامناً مع تعطيل كامل لشبكات الاتصال لمنع أي تحذير مسبق، مما أدى إلى مقتله في ضربة جراحية دقيقة.

إن مشهد “الحروب الخوارزمية” هذا لم يولد من فراغ، بل سبقه اختبارات ميدانية حاسمة؛ ففي مطلع 2026، ساهم نموذج “كلود” العسكري مع تقنيات “بالانتير أنطولوجي” في عملية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

وفي غزة، برز نظام “لافندر” الإسرائيلي كقاعدة بيانات ذكية تصنف الأفراد كأهداف عسكرية بناءً على درجات احتمالية (1 إلى 100) مستمدة من علاقاتهم الاجتماعية وسجلات مواقعهم.

إن التحول المرعب الذي يشهده العالم اليوم يكمن في تحول النماذج اللغوية، التي صممت أصلاً لمساعدة البشر في الكتابة والإبداع، إلى تروس أساسية في “سلسلة القتل” (Kill Chain).

إن تفاصيل عملية “الغضب الملحمي” ليست مجرد خبر عسكري، بل هي الإعلان الرسمي عن تدشين عصر الحروب التي تقودها الخوارزميات، حيث لم تعد القوة تقاس بعدد المدافع، بل بسرعة وكفاءة الأكواد البرمجية.

 

error: Content is protected !!