
لم تعد الحروب الحديثة تُدار فقط بالدبابات والصواريخ، بل باتت تُخاض أحيانًا بأدوات أقل ضجيجًا في الشكل، وأكثر إرباكًا في الأثر. ومن بين هذه الأدوات يبرز ما يُعرف بـ«المُشتِّت»، أو جهاز الموجات الصوتية بعيدة المدى (LRAD)، كسلاح يُرجَّح استخدامه في الضربة الفنزويلية، ليعيد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا: إلى أين يتجه مستقبل الصراع العسكري؟
هذا الجهاز، عالي الاتجاه وقادر على اختراق الحواس قبل التحصينات، لا يقتل بالمعنى التقليدي، لكنه يُربك ويُنهك. موجاته الصوتية، التي قد تصل شدتها إلى نحو 150 ديسيبل، كفيلة بإحداث الغثيان والدوار والتشوش الذهني، بل وألم سمعي شديد قد يتطور إلى فقدان مؤقت أو دائم للسمع. هي قوة غير مرئية، لكنها شديدة التأثير، تُعادل في شدتها أصوات المفرقعات النارية، وفق توصيفات طبية معتمدة.
اللافت أن هذا السلاح ليس جديدًا تمامًا؛ فقد استخدمه الجيش الأمريكي سابقًا في حرب العراق، بوصفه أداة للسيطرة والردع غير المميت. غير أن التقارير القادمة من فنزويلا، التي تحدثت عن جنود أصيبوا بنزيف وتقيؤ وحالات عجز، تُشير إلى أن «غير المميت» قد يتحول، مع الاستخدام المكثف أو المطوّل، إلى أداة ذات تبعات إنسانية خطيرة.
الصوت، الذي اعتدنا اعتباره وسيلة للتواصل أو التحذير، جرى تحويله إلى أداة قتال. صحيح أنه لا يمتلك القوة المادية للرصاصة أو القذيفة، لكنه قادر على كسر المعنويات، وبث الرعب، وإرباك الخصم دون أن يترك آثارًا دمارية واضحة على البنية التحتية. وهنا تكمن خطورته: سلاح يعمل في المنطقة الرمادية بين القمع والقتل، بين الردع والانتهاك.
ولا يقف «المُشتِّت» عند حدّ الموجات الصوتية، بل يضم أيضًا أنظمة الإبهار البصري (Visual Dazzlers)، وهي أجهزة ليزرية نابضة عالية الكثافة، تُفقد المستهدف تركيزه مؤقتًا، وتربكه بصريًا في لحظات حاسمة من المواجهة. مزيج الصوت والضوء هنا لا يستهدف الجسد مباشرة، بل الحواس، والعقل، والقدرة على اتخاذ القرار.
هذه الأمثلة ليست سوى مؤشر على تحوّل أعمق في طبيعة الحروب. فالمستقبل يتجه بوضوح نحو صراعات غير تقليدية، تعتمد على الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي الدفاعي والهجومي، وهندسة المواد المتقدمة، والتقنيات الصوتية والحرارية والإلكترونية الدقيقة. لم يعد التفوق مرهونًا بعدد الدبابات أو الطائرات، بل بقدرة الدول على امتلاك المعرفة العلمية وتطويع التكنولوجيا الناشئة.
من هنا، يصبح الاستثمار في البحث العلمي والتعليم الهندسي خيارًا استراتيجيًا لا ترفًا، وتغدو السياسات الداعمة للتكنولوجيا المتقدمة جزءًا من منظومة الأمن القومي. والأهم من ذلك، أن اختيار صُنّاع القرار في مؤسسات الدولة يجب أن يستند إلى خبرة علمية حقيقية وعمق معرفي، لا إلى ألقاب براقة أو حسابات مالية ضيقة.
في عالم تُدار فيه الحروب بالصوت والضوء والخوارزميات، لا مكان إلا لمن يمتلك العلم، ولا حماية لوطن لا يُحسن قراءة معارك المستقبل قبل أن تفرض نفسها على أرض الواقع.







