
عقب توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية، شهد المشهد التشريعي في مصر حراكًا متسارعًا بدراسة سَنّ تشريع ينظم استخدام الهواتف المحمولة للفئات العمرية الصغيرة، في خطوة تعكس تنامي القلق الرسمي والمجتمعي من التداعيات السلوكية والنفسية للاستخدام غير المنضبط للتكنولوجيا الحديثة بين الأطفال والمراهقين.
وجاءت التوجيهات الرئاسية خلال كلمة الرئيس في احتفال عيد الشرطة الرابع والسبعين، مشدداً على أهمية الاستفادة من التجارب الدولية في حماية الأطفال من الأضرار المرتبطة بالهواتف الذكية، مستشهدًا بتشريعات مطبقة في دول مثل أستراليا وبريطانيا، ومؤكدًا أن التحرك التشريعي لا يتطلب الانتظار حتى استنساخ تجارب خارجية، بل يمكن البدء فورًا في صياغة نموذج مصري ملائم للواقع المحلي.
وتأتي هذه التوجيهات في ظل مؤشرات رقمية لافتة؛ إذ تشير تقارير صادرة عن منظمات دولية متخصصة في الصحة الرقمية إلى أن متوسط الوقت الذي يقضيه الأطفال والمراهقون أمام الشاشات يتراوح بين 5 و7 ساعات يوميًا، وهو ما يتجاوز بكثير الحدود التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، خاصة للفئات العمرية دون 12 عامًا.
وتربط دراسات حديثة بين الإفراط في استخدام الهواتف الذكية وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وضعف التركيز لدى الأطفال، فضلًا عن زيادة التعرض لمحتوى غير ملائم ثقافيًا أو سلوكيًا، ما يثير تساؤلات حول دور الدولة في ضبط هذا الفضاء الرقمي المفتوح.
في هذا السياق، أكد رئيس لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، أحمد بدوي، أن المجلس يستعد لعقد جلسات نقاش موسعة بشأن مشروع القانون المقترح، بمشاركة ممثلين عن الحكومة وخبراء متخصصين، موضحًا أن آليات التنفيذ متاحة بالفعل، وأن عددًا من الدول نجح في تطبيق تشريعات مشابهة دون الإضرار بحقوق المستخدمين.
وأضاف بدوي أن التشريع المرتقب لن يستهدف المنع المطلق، بل تنظيم الاستخدام وفق ضوابط عمرية وفنية، تضمن حماية الأطفال دون المساس بحقهم في الوصول إلى المعرفة والتعلم الرقمي.
من جانبه، شدد رئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، طارق رضوان، على أن أي تشريع جديد سيتم صياغته في إطار احترام الضوابط الدستورية والالتزامات الدولية لمصر، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل، مشيرًا إلى أن اللجنة تعمل بالتنسيق الكامل مع الحكومة وكافة الجهات المعنية لضمان تحقيق التوازن بين الحماية والحقوق.
وأكد رضوان أن حماية الأطفال في الفضاء الرقمي أصبحت جزءًا من منظومة حقوق الإنسان الحديثة، وليست تقييدًا للحريات، في ظل التغيرات المتسارعة التي فرضتها التكنولوجيا على أنماط الحياة والتواصل.
على المستوى التقني، ترى الدكتورة إيمان علي، محاضِرة الذكاء الاصطناعي بالجامعة الأميركية في القاهرة، أن البرلمان سيشهد تنسيقًا بين لجنتي الاتصالات والتشريعية والدستورية، إلى جانب الحكومة ممثلة في وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، لصياغة إطار قانوني وتقني يستند إلى مبدأ “الحماية الاستباقية”.
وتوضح أن التشريع الفعال يجب أن يعتمد على أدوات تقنية، مثل أنظمة التحقق العمري، وضوابط المحتوى، وإلزام المنصات الرقمية بمعايير حماية خاصة بالقُصّر، مشيرة إلى أن تجارب دولية أظهرت أن فرض التزامات واضحة على الشركات التقنية ساهم في خفض تعرض الأطفال للمحتوى الضار بنسبة تراوحت بين 20 و30% خلال سنوات التطبيق الأولى.
وتشير التجربة الأسترالية، التي يجري الاستشهاد بها في النقاشات الحالية، إلى اتجاه متزايد لفرض قيود عمرية على استخدام بعض منصات التواصل الاجتماعي، مع تحميل الشركات مسؤولية قانونية في حال الإخفاق في حماية الأطفال.
كما اتجهت بريطانيا إلى تعزيز قوانين السلامة الرقمية، وفرض غرامات كبيرة على المنصات المخالفة، ويرى خبراء أن هذه النماذج، رغم اختلاف السياقات الثقافية، توفر أرضية يمكن البناء عليها عند صياغة تشريع مصري يراعي الخصوصية المجتمعية ويستجيب للتحديات المحلية.
ويجمع متخصصون في علم الاجتماع وعلم النفس على أن التدخل التشريعي لا يعني تقييدًا للحريات الرقمية بقدر ما يمثل أداة تنظيمية لحماية الأطفال من مخاطر قد تترك آثارًا طويلة المدى على التكوين النفسي والسلوكي.
ويحذرون من أن غياب الضوابط قد يحول الفضاء الإلكتروني إلى بيئة خصبة لتشكيل وعي هش، قابل للتأثر بالأفكار المتطرفة أو السلوكيات العنيفة.
وفي المقابل، يؤكد خبراء القانون ضرورة أن يكون التشريع مرنًا وقابلًا للتحديث، بما يواكب التطور السريع للتكنولوجيا، ويمنع حدوث فجوة بين النص القانوني والتطبيق العملي.
ومع بدء النقاشات البرلمانية المرتقبة، يبقى السؤال المطروح: كيف يمكن لمصر أن تضع إطارًا قانونيًا متوازنًا ينظم استخدام الهواتف الذكية للأطفال، دون الإضرار بحقوقهم الرقمية أو إعاقة اندماجهم في عالم المعرفة الحديث؟
الإجابة، بحسب مراقبين، ستتوقف على قدرة المشرّع على الاستفادة من الخبرات الدولية، والاستماع لآراء الخبراء، وإشراك المجتمع في نقاش جاد حول مستقبل الأجيال الجديدة في عصر التحول الرقمي.







