
في زمن تتسارع فيه المعلومات وتتزاحم فيه الروايات على منصات التواصل الاجتماعي، لم يعد تشكيل الرأي العام حكرًا على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح ساحة مفتوحة تديرها قوى خفية وأدوات رقمية معقدة، أبرزها ما يُعرف بـ«الذباب الإلكتروني»، ذلك المصطلح الذي بات يتردد بقوة في الأوساط السياسية والإعلامية، “ICT-MISR” ترصد تصاعد تأثيره على المجتمعات، خاصة في المنطقة العربية.
يمثل الذباب الإلكتروني أحد أخطر التهديدات غير التقليدية التي تواجه العلاقات العربية في العصر الرقمي، إذ يسهم بشكل مباشر في تعكير صفو التفاهم بين الشعوب من خلال نشر الشائعات وتلفيق المعلومات وإثارة التوترات المصطنعة، عبر استخدام شبكات من الحسابات الوهمية المبرمجة بعناية لتوجيه الرأي العام وصناعة أزمات افتراضية تمتد آثارها إلى الواقع.
وتشير تقديرات حديثة صادرة عن شركات متخصصة في الأمن السيبراني إلى أن ما بين 15% إلى 25% من الحسابات النشطة على بعض منصات التواصل الاجتماعي قد تكون حسابات غير حقيقية، تُستخدم لأغراض التلاعب والتضليل، فيما تؤكد دراسات أخرى أن المحتوى المضلل ينتشر بسرعة تفوق الأخبار الحقيقية بنسبة تصل إلى 70%، وهو ما يعكس حجم التهديد الذي تمثله هذه الشبكات على الوعي العام.
أحد أخطر ما يميز الذباب الإلكتروني هو قدرته على خلق “وهم الأغلبية”، حيث يتم ضخ آلاف أو ملايين التعليقات والمنشورات المتشابهة في وقت قصير، مستخدمة لغة موحدة ومفردات متكررة، ما يعطي انطباعًا زائفًا بوجود إجماع شعبي حول قضية معينة أو موقف محدد، وهو ما يدفع المستخدم العادي إلى التأثر بهذا الزخم المصطنع، خاصة في ظل غياب التحقق السريع من المصادر.
وفي هذا السياق، كشف تقرير أمني حديث عن واحدة من أخطر العمليات المنظمة المرتبطة بالذباب الإلكتروني، حيث أعلنت السلطات في لاتفيا عن القبض على خلية مكونة من سبعة أشخاص، كانت تدير شبكة واسعة تضم عشرات الآلاف من بطاقات الاتصال (SIM Cards) بلغ عددها نحو 40 ألف شريحة من 80 دولة مختلفة، في عملية معقدة تهدف إلى بث أخبار كاذبة وإشاعات، والعمل على تأجيج الخلافات وبث الفتن بين الدول العربية، عبر تشغيل حسابات وهمية متعددة الجنسيات لإضفاء مصداقية زائفة على المحتوى المنشور.
ولم تكن هذه الواقعة معزولة، بل تأتي ضمن نمط عالمي متكرر، حيث كشفت تحقيقات أخرى عن وجود ما يُعرف بـ “مزارع الذباب الإلكتروني”، وهي مراكز تشغيل ضخمة تُدار بشكل احترافي، تضم فرقًا بشرية إلى جانب أنظمة آلية، وتستطيع إدارة ملايين الحسابات في وقت واحد، وتشير البيانات المتداولة إلى أن إحدى هذه المزارع، التي تم ضبطها مؤخرًا، كانت تُدار بواسطة ستة أشخاص فقط، لكنها كانت تتحكم في نحو 49 مليون حساب على مستوى العالم، مستخدمة بنية تحتية تشمل آلاف الأجهزة وشرائح الاتصال الدولية، في استهداف مباشر للأمن المعلوماتي في منطقة الخليج العربي وسوريا وعدد من الدول العربية..الخطورة الحقيقية لهذه الظاهرة لا تكمن فقط في حجمها، بل في طبيعة الرسائل التي تروج لها، والتي تتنوع بين نشر الشائعات، وتزييف الحقائق، والتحريض، والتشويه، والتنمر الإلكتروني، فضلًا عن استهداف شخصيات عامة ومؤسسات رسمية بحملات منظمة تهدف إلى تقويض الثقة، وزعزعة الاستقرار المجتمعي.
ويؤكد خبراء الإعلام الرقمي أن الذباب الإلكتروني يعتمد على ثلاث ركائز أساسية لتحقيق أهدافه: أولها “الانتشار الكثيف”، حيث يتم إغراق المنصات بالمحتوى في وقت قياسي، وثانيها “التكرار”، من خلال إعادة نشر نفس الرسائل بصيغ مختلفة لتعزيز ترسيخها في ذهن المتلقي، وثالثها “الاستفزاز”، عبر استخدام لغة حادة أو هجومية تستهدف إثارة التفاعل والانقسام..وفي هذا الإطار، يقول خبراء الأمن السيبراني إن “الذباب الإلكتروني لم يعد مجرد أداة دعائية، بل أصبح سلاحًا استراتيجيًا يُستخدم في الحروب غير التقليدية، حيث يمكن من خلاله التأثير على الانتخابات، وتوجيه الرأي العام، وإضعاف الثقة في المؤسسات، دون إطلاق رصاصة واحدة”.
كما يشير خبراء علم النفس الاجتماعي إلى أن هذه الشبكات تستغل ما يُعرف بـ“التحيز التأكيدي”، وهو ميل الأفراد إلى تصديق المعلومات التي تتوافق مع قناعاتهم المسبقة، ما يجعلهم أكثر عرضة لتصديق الأخبار الكاذبة إذا كانت تتماشى مع آرائهم، خاصة عندما يتم تقديمها في إطار يبدو جماهيريًا.
الأرقام الصادمة المرتبطة بهذه الظاهرة تعكس حجم التحدي، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن تكلفة تشغيل شبكة ذباب إلكتروني متوسطة الحجم قد لا تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات شهريًا، في حين أن تأثيرها قد يصل إلى ملايين المستخدمين، وهو ما يجعلها أداة منخفضة التكلفة عالية التأثير، مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.
وفي هذا السياق، يرى متخصصون في الإعلام الرقمي أن “المعركة الحقيقية ليست فقط تقنية أو قانونية، بل هي معركة وعي، تتطلب بناء ثقافة رقمية قائمة على التفكير النقدي، والقدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل”، ومع تزايد الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار، خاصة بين الشباب، تزداد خطورة الذباب الإلكتروني، الذي يستهدف هذه الفئة بشكل مباشر، مستغلًا سرعتها في التفاعل وقلة خبرتها أحيانًا في التحقق من المعلومات.







