
في قطاع حيوي كقطاع البريد المصري، الذي يمس حياة ملايين المواطنين يوميًا، يصبح التواصل مع الرأي العام عبرالصحافة..البوابة الطبيعية- ضرورة لا رفاهية.
مرّ أكثر من عام على تولي داليا الباز مسؤولية الشؤون البريدية، وقيامها بأعمال رئيس الهيئة القومية للبريد، وهي فترة ليست بالقصيرة في عمر العمل التنفيذي، بل كافية لرسم ملامح، وتقييم توجهات، وفتح نقاشات جادة حول التحديات والفرص، لكن اللافت، وربما المثير للاستغراب، أن هذا العام مرّ دون أن يلتقي الصحفيون المتخصصون في الشأن البريدي مع المسؤولة الأولى عن هذا الملف، في سابقة تبتعد عن تقاليد راسخة طالما ميزت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
لم يكن هذا هو الحال دائمًا؛ فمنذ سنوات، أرسى المغفور له بإذن الله الدكتور طارق كامل وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأسبق تقليدًا مهنيًا يُحتذى به، حين كان يحرص على عقد لقاءات دورية شهرية مع الصحفيين، تعد منصات حقيقية للحوار وتبادل الرؤى، تُطرح فيها الأسئلة بلا حواجز، وتُناقش فيها السياسات بشفافية، وتُبنى من خلالها جسور الثقة بين متخذ القرار ووسائل الإعلام.
هذا النهج لم يكن ترفًا إداريًا، بل كان جزءًا أصيلًا من فلسفة إدارة قطاع يتسم بالديناميكية والتأثير المباشر على حياة المواطنين، وقد حافظ عدد من الوزراء والمسؤولين الذين خلفوا المرحوم الوزير طارق كامل على هذا التقليد، إدراكًا منهم أن الإعلام شريك، لا مجرد ناقل، وأن الصحفي المطلع هو أفضل سفير للسياسات الناجحة، وأصدق ناقل للتحديات القائمة.
اليوم، يبدو أن هذا الجسر قد تراجع حضوره-على الأقل في الملف البريدي، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة: هل تغيرت فلسفة التواصل؟، أم أن ضغوط العمل حالت دون تنظيم لقاءات دورية؟ أم أن هناك تصورًا مختلفًا لطبيعة العلاقة مع الإعلام؟.
قد تكون لدى المسؤولين مبرراتهم، لكن المؤكد أن غياب الحوار المباشر يترك فراغًا، وهذا الفراغ لا يبقى صامتًا طويلًا، بل تملؤه التكهنات، وربما المعلومات غير الدقيقة، وفي زمن تُقاس فيه كفاءة المؤسسات بمدى انفتاحها وشفافيتها، يصبح التواصل المنتظم مع الصحافة أحد مؤشرات النضج المؤسسي.
الحديث هنا لا ينال من جهد يُبذل داخل الهيئة، ولا يُقلل من حجم التحديات التي يواجهها قطاع البريد في ظل التحول الرقمي المتسارع، بل هو دعوة لإعادة إحياء تقليد أثبت نجاحه، وأثبت قدرته على خلق بيئة صحية للنقاش، تُسهم في دعم القرار، لا التشكيك فيه.
فالصحفيون، بطبيعتهم، لا يبحثون فقط عن الخبر، بل عن الفهم الأعمق للسياق، وعن مساحة للنقاش المسؤول، وعن إجابات للأسئلة التي تشغل الرأي العام، وهذه المساحة لا يمكن أن تُملأ بالكامل عبر البيانات الرسمية، مهما بلغت دقتها، بل تحتاج إلى حوار مباشر، حيّ، يفتح المجال للتفاعل.
ربما حان الوقت لإعادة النظر، ليس فقط في عقد لقاء صحفي، بل في استعادة فلسفة كاملة قوامها الانفتاح والتواصل، فحين يتحدث المسؤول، تتضح الصورة.. وحين يستمع، تكتمل الرؤية.







