أخبارالأرشيفمقالات
أخر الأخبار

خالد أبو المجد يكتب: بدون “واي فاي”..!!

لافتة صغير؛ معلقة على الحائط في إحدى المقاهي المصرية، بدت وكأنها صفعة هادئة لعصر كامل، كتب صاحب المقهى بخط واضح: “لا توجد شبكة واي فاي لدينا..تحدثوا إلى بعضكم البعض كما كان الناس يفعلون قديمًا”..ضحك بعض الزبائن، والتقط آخرون صورة للافتة ونشروها على مواقع التواصل الاجتماعي كمفارقة ساخرة، بينما وقف آخرون يفكرون: هل أصبح الإنترنت ضرورة لا يمكن العيش بدونها؟ أم أننا فقدنا شيئًا ثمينًا ونحن نلهث خلف الإشعارات والشاشات والرسائل السريعة؟.

الحقيقة أن السؤال لم يعد ترفًا فلسفيًا، بل صار معضلة يومية يعيشها العالم كله: هل كانت الحياة أجمل حين كان البشر يعرفون بعضهم أكثر، أم الآن حين يعرفون أخبار العالم كله خلال ثوانٍ؟

الجيل القديم يتحدث دائمًا بنبرة حنين تكاد تكون مقدسة، يقولون إن الحياة كانت أبسط، والقلوب أخف، والزيارات أكثر دفئًا، كان الناس يطرقون الأبواب دون موعد مسبق، ويتسامرون لساعات دون أن ينظر أحدهم إلى هاتفه كل ثلاثين ثانية، كان “الانتظار” جزءًا طبيعيًا من الحياة؛ انتظار رسالة بريد، أو مكالمة هاتفية، أو حتى موعد برنامج تلفزيوني أسبوعي، ولم يكن كل شيء متاحًا بضغطة زر، وربما لهذا السبب كانت الأشياء أكثر قيمة.

في الماضي، حين يختلف صديقان، كانا يتشاجران وجهًا لوجه ثم يتصالحان غالبًا بكوب شاي أو جلسة على المقهى، واليوم، يكفي “بلوك” صغير أو “إلغاء متابعة” حتى تنتهي علاقة كاملة، التكنولوجيا لم تغيّر فقط طريقة التواصل، بل غيّرت معنى العلاقات نفسها.

لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الحنين للماضي غالبًا ما يكون انتقائيًا، فالحياة القديمة لم تكن فردوسًا كاملًا كما يصورها البعض، الوصول إلى المعلومة كان رحلة شاقة، والسفر مرهق، والاتصال بالأقارب في الخارج قد يحتاج أيامًا، وأحيانًا شهورًا، المرضى كانوا يعانون للوصول إلى طبيب متخصص، والطلاب يفتشون بين الكتب لساعات من أجل معلومة قد يجدها طفل اليوم خلال ثوانٍ على هاتفه المحمول.

ثم جاءت الثورة الرقمية، وغيّرت العالم بطريقة لم يحدث لها مثيل منذ اختراع الكهرباء، أصبح الإنسان يحمل العالم في جيبه، هاتف صغير يختصر وظائف كانت تحتاج إلى مكتب كامل: كاميرا، وراديو، وتلفزيون، ومكتبة، وجريدة، وبنك، ومكتب بريد، وخريطة، وسينما، وأحيانًا “طبيب نفسي” أيضًا.

اليوم، يستطيع صحفي في القاهرة أن يجري حوارًا مباشرًا مع خبير في نيويورك خلال دقائق، ويمكن لطالب في قرية صغيرة أن يتعلم البرمجة من أفضل جامعات العالم مجانًا، التكنولوجيا منحت ملايين البشر فرصًا لم تكن متاحة من قبل، وفتحت أبوابًا ضخمة للعمل والمعرفة والإبداع..لكن المشكلة لم تكن يومًا في التكنولوجيا نفسها، بل في علاقتنا بها.

شيئًا فشيئًا، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي من أدوات للتقارب إلى ساحات مزدحمة بالصخب والاستعراض والمقارنات القاتلة، لم يعد الإنسان يعيش اللحظة بقدر ما صار منشغلًا بتصويرها، كثيرون يذهبون إلى المطاعم لالتقاط الصور أكثر من تناول الطعام، ويسافرون بحثًا عن “الستوري” المثالية لا عن المتعة الحقيقية.

حتى الجلسات العائلية لم تعد كما كانت، تجلس الأسرة حول مائدة واحدة، لكن كل فرد يعيش داخل عالمه الخاص خلف شاشة مضيئة، الأب يتابع الأخبار، والأم تشاهد مقاطع الطبخ، والابن يلعب، والابنة تتصفح “تيك توك”، بينما يسود الصمت كأنه ضيف ثقيل على البيت، الطريف أن مواقع التواصل التي صُممت لتقريب الناس، جعلت كثيرين يشعرون بوحدة أكبر، آلاف الأصدقاء الافتراضيين، ومئات الإعجابات، لكن عند أول أزمة حقيقية يكتشف البعض أن الهاتف مليء بالأسماء..والقلب فارغ.

المفارقة المضحكة أن الإنسان القديم كان يخاف من “الكلام الكثير”، بينما يخشى الإنسان الحديث “قلة التفاعل”، في الماضي كان الناس يهربون من الفضائح الاجتماعية، أما اليوم فبعضهم يصنع فضيحته بنفسه بحثًا عن المشاهدات والترند، حتى مفهوم الخصوصية تغيّر جذريًا، قديمًا، كان الاحتفاظ بالأسرار فضيلة، أما اليوم فكثيرون يوثقون أدق تفاصيل حياتهم اليومية للجمهور: ماذا أكلوا، وأين ذهبوا، ومتى استيقظوا، ومع من جلسوا، وكأن الإنسان المعاصر يخشى أن يعيش لحظة لا يراها الآخرون.

ومع ذلك، لا يمكن ببساطة إعلان الحرب على التكنولوجيا أو الدعوة للعودة إلى “زمن الفن الجميل” كما يتمنى البعض، فالعالم تغيّر بالفعل، ولا أحد مستعد للتخلي عن مزايا العصر الحديث، حتى أكثر المنتقدين لمواقع التواصل الاجتماعي يكتبون انتقاداتهم عبر هذه المواقع نفسها..المطلوب ليس العودة إلى الماضي، بل استعادة بعض إنسانيته.

ربما كانت لافتة المقهى ذكية لأنها لم تهاجم الإنترنت، بل دعت الناس فقط إلى استعادة الحوار الحقيقي، أن ينظر شخصان إلى بعضهما أثناء الحديث بدل النظر إلى الشاشة، أن يعود الضحك الحقيقي بدل “الإيموجي”، وأن تستعيد الجلسات دفئها القديم..الفكرة ليست أن نهجر التكنولوجيا، بل ألا تسمح التكنولوجيا بهجرنا لأنفسنا، وبين العالمين، هناك شيء واحد لا يجب أن نفقده: إنسانيتنا.

error: Content is protected !!