
لم تعد مناقشات قانون الأحوال الشخصية الجارية حالياً في مصر تدور فقط حول النفقة أو الحضانة أو سن الرؤية، بل انتقلت إلى مساحة أكثر تعقيدًا ترتبط بالتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأدلة الإلكترونية، وحوكمة البيانات الأسرية، ففي الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى تحديث المنظومة القضائية والخدمية، أصبح مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد أحد أبرز الملفات التي تكشف كيف يمكن للتكنولوجيا أن تتحول من مجرد أداة مساعدة إلى عنصر تشريعي مؤثر في صياغة الحقوق والواجبات داخل الأسرة المصرية.
وخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت النقاشات البرلمانية والقانونية حول إدماج التكنولوجيا في بنية القانون الجديد، باعتبارها وسيلة لحل أزمات تراكمت لعقود داخل محاكم الأسرة، من بطء التقاضي، وتعقيد تنفيذ الأحكام، وصعوبة إثبات بعض الوقائع، وصولًا إلى النزاعات المتعلقة برؤية الأطفال والنفقات والطلاق.
واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل داخل مشروع القانون تتمثل في مفهوم “الرؤية الإلكترونية”، والذي يُعد تحولًا غير مسبوق في فلسفة تنظيم العلاقة بين الطفل والطرف غير الحاضن، ويعتمد النظام المقترح على السماح بالتواصل المرئي عبر تطبيقات الفيديو والمنصات الرقمية، في الحالات التي يتعذر فيها تنفيذ الرؤية التقليدية، خاصة مع سفر أحد الوالدين أو إقامته خارج البلاد، أو وجود ظروف تمنع اللقاء المباشر بصورة منتظمة، ويرى مؤيدو الفكرة أن التكنولوجيا هنا لا تلغي الرؤية الواقعية، بل تدعمها نفسيًا وإنسانيًا، وتحافظ على الروابط العاطفية بين الأطفال وأحد الوالدين في ظل المتغيرات الاجتماعية الحديثة، خصوصًا مع ارتفاع معدلات السفر والهجرة والعمل خارج مصر.
لكن في المقابل، تطرح هذه الرؤية تحديات قانونية معقدة، أبرزها كيفية توثيق جلسات التواصل الإلكتروني، وضمان عدم التلاعب أو التأثير النفسي على الطفل أثناء المكالمات، وتحديد الجهة الرقابية المسؤولة عن تنظيم المنصات المستخدمة، وكذلك حماية خصوصية الأطفال وبياناتهم الرقمية، ويري الخبراء قانونيون أن إدخال التكنولوجيا إلى ملف الرؤية يعكس إدراكًا رسميًا بأن الأسرة الحديثة أصبحت جزءًا من البيئة الرقمية، وأن القانون لا يمكنه الاستمرار بمنطق التسعينيات في مجتمع يعتمد على الاتصال الإلكتروني في كل تفاصيل حياته.
وداخل أروقة وزارة العدل والجهات التشريعية، تتجه الرؤية الحالية نحو إنشاء شبكة رقمية موحدة تربط بين محاكم الأسرة، النيابات المختصة، مكاتب التسوية، صندوق تأمين الأسرة، والجهات البنكية والتنفيذية، والهدف من هذا الربط يتمثل في تسريع تنفيذ الأحكام، خاصة المتعلقة بالنفقة، ومنع تكرار الإجراءات الورقية التي كانت تؤدي إلى تعطيل حصول النساء والأطفال على حقوقهم لفترات طويلة، ويُتوقع أن يساهم النظام الإلكتروني الجديد في تتبع الأحكام لحظيًا، معرفة موقف التنفيذ بصورة رقمية، تقليل التلاعب أو ازدواجية البيانات، وإنشاء سجل أسري إلكتروني موحد، وتعتبر مصادر قانونية أن هذه الخطوة قد تُحدث أكبر تحول في تاريخ محاكم الأسرة المصرية منذ إنشائها، لأنها تنقل المنظومة من الاعتماد على الموظف الورقي إلى الإدارة الرقمية المؤتمتة.
التغيير الأكثر حساسية ربما يتمثل في الاعتراف بالمحتوى الرقمي كأداة إثبات رسمية داخل النزاعات الأسرية، ففي قضايا الطلاق وإثبات الضرر والخيانة والتهديد أو الامتناع عن النفقة، أصبحت منشورات مواقع التواصل الاجتماعي، والمحادثات الإلكترونية، والرسائل الصوتية، والصور الرقمية، جزءًا من المشهد القضائي اليومي، ويناقش القانون الجديد آليات أكثر وضوحًا لتنظيم هذا النوع من الأدلة، بما يشمل شروط قبول الأدلة الرقمية، وطرق التحقق من صحتها، وآليات التوثيق الإلكتروني، وكذلك الاستعانة بخبراء الأدلة الجنائية الرقمية.
هذا التطور يعكس تحولًا عميقًا في مفهوم الإثبات القضائي، حيث لم تعد الوقائع تُحسم فقط عبر الشهود والمستندات التقليدية، بل أصبحت الحياة الرقمية للأفراد عنصرًا حاسمًا في النزاعات الأسرية..لكن ذلك يفتح أيضًا بابًا واسعًا للجدل حول الخصوصية، إذ يخشى حقوقيون من تحول الهواتف الشخصية والحسابات الإلكترونية إلى ساحات مراقبة قانونية قد تُستخدم بشكل انتقائي أو انتقامي بين الأزواج.
واحدة من الزوايا الجديدة في المناقشات التشريعية ترتبط بمحاولة الربط بين قانون الأحوال الشخصية وتشريعات حماية الطفل في البيئة الرقمية، فمع تصاعد مخاطر الإنترنت، والتنمر الإلكتروني، والإدمان الرقمي، والتعرض للمحتوى غير المناسب، بدأت تظهر اتجاهات قانونية تعتبر أن مسؤولية الوالدين لم تعد تقتصر على الغذاء والتعليم والرعاية الصحية فقط، بل تمتد إلى “الحماية الرقمية”..وتشمل المقترحات المتداولة تنظيم استخدام الأطفال للهواتف الذكية، وتحديد المسؤولية القانونية عن الجرائم الإلكترونية التي يرتكبها القُصر، ووضع ضوابط لاستخدام مواقع التواصل، وتعزيز الرقابة الأبوية الرقمية.
وتتجه الدولة ضمن خطة التحول الرقمي الحكومي، إلى تحديث منظومة التوثيق الأسري إلكترونيًا، بما يشمل تسجيل عقود الزواج رقمياً، وتوثيق الطلاق عبر قواعد بيانات مركزية، والربط الفوري مع السجل المدني، وتقليل التلاعب أو تأخير الإخطار بالطلاق.. كما يُتوقع أن يؤدي التوثيق الإلكتروني إلى تحسين دقة الإحصاءات الرسمية الخاصة بالزواج والطلاق والنفقة، وهو ما يساعد صانعي القرار على تطوير سياسات اجتماعية أكثر دقة.
رغم الترحيب النسبي بمسار التحول الرقمي، فإن المخاوف تتزايد من احتمالات إساءة استخدام البيانات الأسرية الحساسة، فإنشاء قواعد بيانات مترابطة تضم معلومات مالية واجتماعية وشخصية عن ملايين الأسر يطرح تساؤلات شديدة الحساسية حول: “أمن المعلومات، وسرية البيانات، احتمالات الاختراق، استخدام البيانات في النزاعات أو الابتزاز”.
ويرى خبراء أمن سيبراني أن نجاح مشروع الأحوال الشخصية الرقمي لن يعتمد فقط على القوانين، بل على قوة البنية التكنولوجية وقدرتها على حماية الخصوصية، واللافت في النقاشات الحالية أن الدولة لا تتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها رفاهية إدارية، بل باعتبارها أداة لإعادة هندسة العدالة الأسرية، فالأزمة الأساسية التي تواجه محاكم الأسرة ليست فقط في النصوص القانونية، وإنما في بطء التنفيذ، وصعوبة الإثبات، وتعقيد الإجراءات، وهي أزمات تراهن الحكومة على أن التكنولوجيا قادرة على تقليصها..لكن التحدي الحقيقي يبقى في تحقيق التوازن بين: “السرعة الرقمية، والبعد الإنساني للأسرة”.
ويخشى بعض المتخصصين من أن يؤدي الإفراط في الاعتماد على الحلول التقنية إلى تحويل العلاقات الأسرية إلى “ملفات إلكترونية”، بينما تحتاج النزاعات العائلية في جوهرها إلى تدخلات اجتماعية ونفسية وإنسانية أعمق من مجرد التطبيقات والمنصات.
المؤكد أن مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد يمثل لحظة فاصلة في العلاقة بين القانون والتكنولوجيا داخل المجتمع المصري، فإن نجاح الدولة في بناء منظومة رقمية عادلة وآمنة ومرنة، يجعل مصر تشهد خلال السنوات المقبلة تحولًا جذريًا في إدارة النزاعات الأسرية، بما يضمن سرعة التقاضي، وحماية الأطفال، وتحقيق قدر أكبر من التوازن والعدالة الأسرية حيث أن مستقبل الأحوال الشخصية في مصر لن يُكتب فقط داخل قاعات المحاكم، بل أيضًا داخل قواعد البيانات، ومنصات الاتصال، وخوارزميات التوثيق الرقمي.











