
في الخامس والعشرين من أبريل عام 1982، استردت مصر كامل تراب سيناء، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من البناء والتطوير، فبعد عقود من الصراعات، أصبحت تنمية هذه البقعة الغالية على قلب كل مصري هدفًا استراتيجيًا للدولة.
وخلال السنوات التالية، تحولت سيناء من أرض صحراوية إلى ورشة عمل عملاقة، ولم يكن قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمنأى عن هذا التحول الجذري..نستعرض في هذا التقرير، بالوثائق والأرقام مسيرة التطور الرقمي في سيناء، والاستثمارات الهائلة التي حولتها إلى جزء لا يتجزأ من المشهد التكنولوجي المصري الحديث.
عقب التحرير، ورثت مصر بنية تحتية للاتصالات بالية ومتداعية خلفها الاحتلال الإسرائيلي، كان الهدف الأولي هو إعادة ربط سيناء بالشبكة القومية للاتصالات، وهي مهمة شاقة في بيئة صحراوية شاسعة، فبعد إنشاء الشركة المصرية للاتصالات عام 1998، ومنذ تسعينيات القرن الماضي، تبنت الحكومة خطة طموحة لتحرير قطاع الاتصالات، مما فتح الباب أمام استثمارات القطاع الخاص لبناء البنية التحتية، وبدأت خدمات المحمول والإنترنت في الوصول تدريجيًا إلى المدن الرئيسية مثل العريش والطور، وإن كان ذلك ببطء مقارنة بباقي الجمهورية، وكانت التغطية تتركز في المناطق السكنية والمزدحمة سياحيًا مثل شرم الشيخ ودهب.
لم تكن تنمية سيناء مجرد مشروع حكومي عابر، بل كانت ولا تزال على رأس أولويات الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي.
حيث أكد رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي أن “تنمية سيناء، وبخاصة محافظة شمال سيناء، كانت ولا تزال على رأس أولويات الدولة المصرية خلال الأعوام الماضية، وستظل كذلك خلال السنوات المقبلة”.
وقد توج هذا الاهتمام بإطلاق المشروع القومي لتنمية سيناء، الذي يشمل تطوير البنية التحتية الرقمية كأحد ركائزه الأساسية، وفي هذا الإطار، أكدت الحكومة على تولي قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أولوية كبيرة بخطط التنمية، وتشمل الاستراتيجية الوطنية لتطوير سيناء مشروعات في البنية التحتية، والتىشملت بناء الإنسان السيناوي وتأهيله لسوق العمل الرقمي، من خلال إنشاء جامعات ومعاهد تكنولوجية متخصصة.
وشهدت جامعة سيناء تطورًا ملحوظًا في التخصصات التكنولوجية، حيث تأسست كلية تكنولوجيا المعلومات وعلوم الحاسب بجامعة سيناء – فرع القنطرة، سبتمبر 2019، وبدأت الدراسة بها في العام الجامعي 2019/2020، مما وفر فرصة تعليمية نوعية لأبناء سيناء والمناطق المحيطة.
وفي إطار توجه الدولة نحو دعم الاقتصاد الرقمي وتحقيق رؤية مصر 2030، بحث محافظ جنوب سيناء مع شركة “هواوي” سبل تعزيز التعاون في تطوير البنية الرقمية والتعليم، وتأهيل الشباب في مجال تكنولوجيا المعلومات. واستعرضت الأكاديمية التابعة للشركة جهودها في تدريب وتأهيل الشباب رقمياً، كما شملت خطة التطوير تقديم حلول رقمية متكاملة للتعليم، تشمل البنية التحتية الرقمية، وأنظمة التعاون الذكي، وحلول الأمن السيبراني، وشبكات الربط المتقدمة، وإنشاء الفصول الذكية وتطوير خدمات الإنترنت داخل المدارس، بما يضمن توفير بيئة تعليمية حديثة تدعم الابتكار.
أكدت الحكومة أن “شمال سيناء لم تأخذ حظها من التنمية والتعمير إلا في عهد الرئيس السيسي”، مشيرة إلى أن الدولة بجميع مؤسساتها تبذل جهودًا كبيرة في تنمية وتعمير سيناء تنفيذًا لتوجيهات الرئيس، من خلال ضخ مليارات الجنيهات لتنفيذ مشروعات تنموية وخدمية كبرى تربط سيناء بمحافظات الجمهورية.
شهد عام 2014 نقطة تحول فاصلة مع إطلاق الدولة لاستراتيجية شاملة لتنمية سيناء، حيث انتقلت سيناء من خانة الهامش إلى بؤرة الاهتمام القومي، مع استثمارات غير مسبوقة تجاوزت 530 مليار جنيه في مشروعات متعددة تشمل البنية التحتية، ولم يعد الأمر مقتصرًا على توصيل الخدمات للمواطنين فحسب، بل تحولت سيناء إلى مركز إقليمي حيوي للاتصالات.
ففي أغسطس 2025، أعلنت الشركة المصرية للاتصالات عن الانتهاء من إنزال كابل “كورال بريدج” البحري عالي السعة في طابا، والذى يعد جزء من خطة أوسع للتوسع في شبكة الكابلات البحرية في شبه جزيرة سيناء، مما يمثل خطوة محورية في تطوير البنية التحتية الرقمية بالشرق الأوسط، ويعزز مكانة مصر كمركز عالمي لحركة البيانات..كما ربطت شبكات الألياف الضوئية جميع المدن الرئيسية تقريبًا، ومديريات الخدمات الحكومية والميادين العامة، لتصبح البنية الأساسية لخدمات الجيلين الرابع والخامس.
خصص الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات مبلغ 513 مليون جنيه من صندوق الخدمة الشاملة لتمويل بناء وتشغيل أبراج المحمول في 30 منطقة حضرية و4 طرق حيوية رئيسية بمحافظتي شمال وجنوب سيناء، لتعمل الخدمة بكفاءة، ووصل عدد الأبراج التي تم إنشاؤها وتشغيلها إلى ما يقرب من 90 برجًا، غطت مناطق مثل سانت كاترين، رأس سدر، الطور، ونويبع، مما أنهى عزل العديد من التجمعات البدوية.
ومع توافر البنية التحتية، بدأت ثورة حقيقية في طريقة تقديم الخدمات الحكومية والطبية للمواطنين، حيث شهدت محافظة جنوب سيناء “طفرة رقمية” حقيقية، حيث تم إنشاء 10 مراكز تكنولوجية تغطي جميع مدن المحافظة من رأس سدر حتى طابا، وتقدم خدماتها للمواطنين في الوديان والتجمعات البدوية، ونجحت هذه المراكز في القضاء على الروتين والرشوة، مما أدى إلى تحسين جودة الخدمات الحكومية بشكل كبير، وتتوافق هذه الجهود مع رؤية مصر 2030، والتي تهدف إلى تحقيق التحول الرقمي الشامل كأحد ركائز التنمية المستدامة.
وفي خطوة رائدة، دخلت مصر مجال “التطبيب عن بعد” لأول مرة لخدمة أهالي سيناء، حيث تم إنشاء أول مستشفى افتراضي تابع لوزارة الصحة، وهو منصة واسعة النطاق تقدم استشارات طبية عبر الإنترنت في تخصصات نادرة، وزودت الوحدات الصحية المختارة بأجهزة تشخيص عن بعد، ليربطها الاستشاريون في المستشفى الافتراضي.
ويمكن قياس حجم التطور الهائل في القطاع على مستوى الجمهورية، والذي تنعكس آثاره إيجابًا على سيناء:
1-أعلى القطاعات نموًا: حافظ قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات على مكانته كأعلى قطاعات الدولة نموًا للعام الثامن على التوالي، بمعدلات تراوحت بين 14% و16%.
2-مساهمة في الناتج المحلي: بلغت نسبة مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي نحو 6%.
3-قفزة في الصادرات الرقمية: ارتفعت قيمة الصادرات الرقمية لتصل إلى 7.4 مليار دولار في عام 2025، مدعومة بنمو صادرات التعهيد التي تجاوزت 4.8 مليار دولار.
4-ريادة أفريقية: تتصدر مصر قارة أفريقيا في متوسط سرعة الإنترنت الثابت منذ عام 2022، حيث بلغ المتوسط 91.3 ميجابت/ثانية في 2025.
الحقيقة الماثلة أن سيناء تحولت فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي من أرض كانت تعاني من عزلة رقمية، إلى نموذج ملهم للتنمية التكنولوجية، بفضل استثمارات تجاوزت نصف تريليون جنيه، وبدعم قيادي غير مسبوق، أصبحت شبه الجزيرة تمتلك بنية تحتية للاتصالات تليق بموقعها الاستراتيجي، وتقدم خدمات حكومية وطبية متطورة لسكانها وزوارها، والأهم من ذلك، أن أبناء سيناء أصبحوا اليوم جزءًا فاعلاً من الاقتصاد الرقمي، بفضل جامعات وكليات تكنولوجية تؤهلهم لمستقبل واعد، في “أرض الفيروز” التي دخلت بقوة عصر الرقمنة.






