أخبارالأرشيفانترنتتقاريرتكنولوجياتكنولوجيا النقل
أخر الأخبار

“اوبر” على رأسها: شركات النقل الذكي تبدأ عصر ترشيد الإنفاق على الذكاء الاصطناعي

رغم حالة الزخم العالمي غير المسبوقة التي يعيشها قطاع الذكاء الاصطناعي، بدأت مؤشرات جديدة تكشف عن توجه مغاير داخل بعض أكبر الشركات التكنولوجية في العالم، يتمثل في إعادة تقييم العوائد الاقتصادية الفعلية للاستثمارات الضخمة الموجهة إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، خاصة في القطاعات التي تعتمد على التشغيل والخدمات اليومية واسعة النطاق، وفي مقدمتها شركات النقل الذكي.

وخلال السنوات الأخيرة، تسابقت الشركات العالمية إلى ضخ مليارات الدولارات في تطوير وتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، أملاً في تحقيق قفزات نوعية في الإنتاجية وتحسين تجربة العملاء وتطوير البرمجيات، إلا أن الواقع العملي بدأ يفرض أسئلة أكثر إلحاحاً حول حجم العائد الحقيقي مقارنة بحجم الإنفاق المتزايد.

وفي هذا السياق، برزت شركة أوبر كواحدة من أوائل الشركات الكبرى التي أعلنت بشكل واضح أن ميزانيتها المخصصة للذكاء الاصطناعي للعام الجاري استُنفدت بالكامل خلال الأشهر الأربعة الأولى فقط من السنة، نتيجة الاستخدام المكثف من قبل مهندسي البرمجيات لأدوات الذكاء الاصطناعي المختلفة.

وأمام هذا الارتفاع الكبير في الفواتير التشغيلية، اضطرت الإدارة التنفيذية إلى فرض قيود جديدة على استخدام تلك الأدوات، مع توجيه الموظفين إلى ترشيد الاستهلاك وتقليل الاعتماد على بعض الخدمات مرتفعة التكلفة، في خطوة تعكس حجم الضغوط المالية التي بدأت تفرض نفسها على الشركات حتى في قلب وادي السيليكون.

يعكس موقف أوبر تحولاً لافتاً في نظرة الشركات إلى الذكاء الاصطناعي، فبعد مرحلة اتسمت بالحماس الشديد والاستثمار المفتوح، بدأت الإدارات المالية والتنفيذية تطالب بمؤشرات أداء أكثر وضوحاً لإثبات أن الإنفاق المتزايد يترجم فعلياً إلى منتجات جديدة أو خدمات أفضل أو إيرادات إضافية.

وتشير تقارير متخصصة إلى أن الكثير من الشركات ما زالت تواجه صعوبة في قياس العائد المباشر على الاستثمار في أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، خصوصاً تلك المستخدمة في البرمجة وتطوير البرمجيات، حيث يصعب أحياناً إثبات أن الزيادة في إنتاجية المطورين تتناسب مع التكاليف التشغيلية الضخمة المرتبطة باستخدام النماذج المتقدمة.

وبالنسبة لشركات النقل الذكي مثل أوبر، فإن التحدي يبدو أكثر تعقيداً، لأن نموذج الأعمال يعتمد أساساً على هوامش ربح محدودة نسبياً وتكاليف تشغيلية مرتفعة تشمل البنية السحابية وتحليل البيانات والخرائط وأنظمة التسعير الديناميكي وخدمات الدعم الفني.

ولم تعد أوبر الحالة الوحيدة التي تعيد النظر في فاتورة الذكاء الاصطناعي، ففي خطوة لفتت انتباه القطاع التقني، قررت مايكروسوفت تقليص استخدام بعض أدوات البرمجة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وعلى رأسها “كلود كود”، بعدما ارتفعت تكاليف تشغيلها إلى مستويات اعتبرتها الشركة غير مبررة اقتصادياً مقارنة بالعائد المحقق.

واتجهت الشركة إلى تشجيع المهندسين على استخدام أدواتها الداخلية مثل “كوبايلوت”، في محاولة لخفض النفقات والحفاظ على السيطرة على التكاليف التشغيلية.

وتكشف هذه الخطوة عن تحول مهم في استراتيجية الشركات الكبرى؛ فبدلاً من التوسع غير المحدود في استخدام أي أداة ذكاء اصطناعي متاحة، أصبحت الأولوية الآن لتحقيق الكفاءة الاقتصادية وتعظيم العائد من كل دولار يتم إنفاقه.

يرى محللون أن المشكلة لا تكمن في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في ارتفاع تكلفة تشغيل النماذج اللغوية العملاقة التي تتطلب بنية تحتية حوسبية هائلة ومراكز بيانات متطورة واستهلاكاً كبيراً للطاقة.

وتنفق الشركات التقنية العالمية مليارات الدولارات سنوياً على شراء المعالجات المتخصصة وتشغيل مراكز البيانات اللازمة لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يضع ضغوطاً متزايدة على الميزانيات التشغيلية.

وفي الوقت نفسه، ما زال العديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي في مرحلة التجريب أو التطوير، ولم يثبت بعد قدرته على تحقيق إيرادات تعادل حجم الاستثمارات الضخمة التي يتم ضخها فيه.

بالنسبة لشركات النقل الذكي، يبدو أن المرحلة المقبلة لن تكون قائمة على التوسع غير المشروط في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، بل على انتقاء الاستخدامات الأكثر جدوى وربحية.

ومن المتوقع أن تركز هذه الشركات على التطبيقات التي تحقق وفورات مباشرة مثل تحسين خوارزميات التسعير، وتقليل زمن الاستجابة للعملاء، وتحسين إدارة الأساطيل، ورفع كفاءة أنظمة التنبؤ بالطلب، بدلاً من الإنفاق المفتوح على أدوات برمجية مرتفعة التكلفة يصعب قياس أثرها المالي.

كما قد يدفع هذا التوجه الشركات إلى تطوير حلول داخلية خاصة بها بدلاً من الاعتماد الكامل على خدمات خارجية مرتفعة التكلفة، وهو الاتجاه الذي بدأت ملامحه تظهر بالفعل لدى عدد من عمالقة التكنولوجيا.

تكشف التطورات الأخيرة في أوبر ومايكروسوفت أن سوق الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة أكثر نضجاً، تتراجع فيها القرارات القائمة على الحماس التكنولوجي لصالح الحسابات الاقتصادية الدقيقة.

ورغم استمرار الذكاء الاصطناعي كأحد أهم محركات الابتكار عالمياً، فإن الشركات الكبرى باتت مطالبة اليوم بإثبات أن كل دولار يُنفق في هذا المجال يحقق قيمة مضافة حقيقية، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة رسم خريطة الاستثمارات التقنية خلال السنوات المقبلة، خاصة في قطاعات التشغيل والخدمات الرقمية والنقل الذكي التي تواجه ضغوطاً متزايدة لتحقيق الربحية والاستدامة المالية.

error: Content is protected !!