أخباراتصالاتالأرشيفتقارير
أخر الأخبار

“الكاش” في عيد الأضحى ..كيف نجحت “ATM البريد المصري” في سدّ الفجوة

في الوقت الذي شهدت فيه بعض ماكينات الصراف الآلي التابعة لعدد من البنوك ازدحامًا وضغوطًا تشغيلية كبيرة خلال عطلة عيد الأضحى، برز البريد المصري باعتباره أحد أهم صمامات الأمان التي ساهمت في توفير السيولة النقدية للمواطنين على امتداد الجمهورية، مستندًا إلى شبكة واسعة من ماكينات الصراف الآلي (ATM) المنتشرة في المدن والقرى والنجوع، في مشهد يعكس حجم التحول الذي شهدته الهيئة القومية للبريد خلال السنوات الماضية.

لم يكن هذا النجاح وليد اللحظة أو نتيجة إجراءات موسمية مؤقتة، بل جاء ثمرة استراتيجية طويلة المدى بدأت قبل أكثر من عشر سنوات، عندما وضعت الهيئة أسس التحول الرقمي والشمول المالي، واستثمرت بشكل مكثف في تطوير بنيتها التحتية المالية والتكنولوجية، بما جعلها اليوم أحد أكبر مقدمي الخدمات المالية للأفراد في مصر.

وتمثل الأعياد والمواسم إحدى أصعب الفترات التشغيلية أمام القطاع المصرفي، إذ تشهد زيادة غير مسبوقة في معدلات السحب النقدي لتلبية احتياجات الأسر المصرية. وخلال عيد الأضحى الأخير، اتجه ملايين المواطنين إلى ماكينات الصراف الآلي للحصول على السيولة النقدية، ما تسبب في ضغوط تشغيلية على العديد من الشبكات المصرفية.

ورغم أن البيانات توضح أن إجمالي عدد ماكينات الصراف الآلي التابعة للبنوك العاملة في مصر بلغ نحو 26160 ماكينة بنهاية عام 2025، فإن التوزيع الجغرافي وكثافة الاستخدام يظلان عاملين حاسمين في قدرة المؤسسات المالية على تلبية الطلب المتزايد على النقد..ويملك البنك الأهلي المصري أكثر من 7600 ماكينة صراف آلي، فيما يمتلك بنك مصر أكثر من 6150 ماكينة، ويضم بنك القاهرة نحو 1670 ماكينة، بينما يمتلك بنك الإسكندرية نحو 300 ماكينة، ورغم ضخامة هذه الشبكات، فإن الطلب الاستثنائي خلال المواسم يفرض تحديات تشغيلية تتعلق بإعادة تغذية الماكينات بالنقد وضمان استمرارية الخدمة.

في المقابل، استطاع البريد المصري أن يلعب دورًا مختلفًا، مستفيدًا من شبكة تضم أكثر من 3000 ماكينة صراف آلي منتشرة بالقرب من المواطنين، إضافة إلى آلاف المكاتب البريدية التي تمثل نقطة ارتكاز رئيسية للخدمات المالية في مختلف المحافظات.

كانت الهيئة القومية للبريد عام 2015 تمتلك ما بين 60 و80 ماكينة صراف آلي فقط على مستوى الجمهورية، وهو رقم محدود للغاية مقارنة بحجم عمل الهيئة وعدد عملائها، وفي تلك المرحلة، تبنى عصام الصغير، رئيس الهيئة القومية للبريد الأسبق، رؤية مختلفة تقوم على تحويل البريد المصري من مؤسسة خدمية تقليدية إلى منصة مالية ورقمية متكاملة تخدم ملايين المواطنين، وخلال أشهر قليلة من توليه المسؤولية، أطلقت الهيئة خطة توسعية غير مسبوقة استهدفت نشر ماكينات الصراف الآلي في مختلف المحافظات وربطها بمنظومة تشغيل حديثة قادرة على استيعاب التوسع المستقبلي.

وبحلول نهاية عام 2015، أعلنت الهيئة الانتهاء من نشر 350 ماكينة صراف آلي على مستوى الجمهورية، في قفزة كبيرة خلال عام واحد فقط..ولم تتوقف عملية التوسع عند هذا الحد، بل استمرت بوتيرة متسارعة طوال فترة رئاسة عصام الصغير للهيئة، ليرتفع عدد الماكينات إلى نحو 650 ماكينة بحلول عام 2020، بما يمثل زيادة تجاوزت ثمانية أضعاف مقارنة بما كان عليه الوضع عند بداية تنفيذ خطة التطوير.

لم يكن الهدف من زيادة عدد ماكينات الصراف الآلي مجرد التوسع العددي، بل كان جزءًا من مشروع أوسع لتعزيز الشمول المالي والوصول بالخدمات المصرفية إلى شرائح واسعة من المواطنين الذين لا يتعاملون مع البنوك التقليدية، وقد أدركت إدارة البريد المصري مبكرًا أن الانتشار الجغرافي للهيئة يمثل ميزة تنافسية فريدة، خاصة في المناطق الريفية والنائية التي قد لا تتوافر فيها فروع مصرفية كافية، ومن هنا جرى تطوير البنية التكنولوجية للهيئة، وإدخال خدمات الدفع الإلكتروني، وتحديث أنظمة التشغيل، وتوسيع شبكة بطاقات الدفع، وربط الخدمات البريدية بالمنظومة الرقمية للدولة، بما عزز قدرة البريد على تقديم خدمات مالية متطورة تنافس المؤسسات المصرفية الكبرى.

الأسس التي وُضعت خلال الفترة بين 2015 و2020 لم تتوقف آثارها عند نهاية ولاية الصغير، بل شكلت قاعدة انطلقت منها الهيئة لمواصلة التوسع خلال السنوات اللاحقة، واليوم يمتلك البريد المصري شبكة تتجاوز 3000 ماكينة صراف آلي منتشرة في مختلف المحافظات، تغطي نسبة كبيرة من مكاتب البريد وتتيح للمواطنين تنفيذ عمليات السحب والإيداع والاستعلام وسداد المدفوعات على مدار الساعة، ويعكس هذا النمو حجم التحول الذي شهدته الهيئة خلال العقد الماضي، إذ لم تعد ماكينات الصراف الآلي مجرد خدمة إضافية، بل أصبحت أحد أعمدة منظومة الخدمات المالية الحكومية في مصر.

ما حدث خلال عيد الأضحى لا يمكن اعتباره مجرد نجاح تشغيلي عابر، بل يمثل نموذجًا واضحًا لأهمية الاستثمار المبكر في البنية التحتية الرقمية والمالية، فبينما كان المواطن يبحث عن أقرب مصدر للحصول على السيولة النقدية، ظهرت نتائج سنوات من التخطيط والتوسع والتحديث في صورة شبكة قادرة على استيعاب الضغط المتزايد وتقديم الخدمة لملايين العملاء.

error: Content is protected !!