
في حديث جانبي منذ سنوات مع أسماء حسني، الرئيس التنفيذي الأسبق لهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات، تحدثت عن مفاجأة الشركات العالمية بحقيقة أن مصر تمتلك سوقًا كبيرًا و قاعدة بشرية واسعة في قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، كما تمتلك كذلك بنية مكانية جاهزة لاستقبال الاستثمار التكنولوجي المتقدم.
كانت “حسني” تشير حينها إلى فكرة المناطق التكنولوجية التي بدأت الدولة في تأسيسها وتطويرها، وهي مناطق صُممت لتكون بيئة أعمال متكاملة يمكن أن تستضيف مراكز تطوير البرمجيات وخدمات التعهيد ومراكز البيانات ومقار الشركات العالمية..يومها بدت تلك الفكرة، في نظر البعض، مجرد “رهان طويل الأجل” على مستقبل الاقتصاد الرقمي في مصر، لكن ما يحدث اليوم في المنطقة يعيد تلك الكلمات إلى الواجهة، ويمنحها بعدًا استراتيجيًا يتجاوز مجرد التنمية المحلية.
الواقع الجيوسياسي المتقلب في الشرق الأوسط، وتصاعد التوترات العسكرية في أكثر من بؤرة، دفع العديد من الشركات متعددة الجنسيات إلى إعادة النظر في خريطة انتشارها الجغرافي، الشركات التكنولوجية تحديدًا لا تنظر إلى مواقعها باعتبارها مجرد عناوين لمكاتب، بل باعتبارها عقدًا أساسية في شبكة عمليات عالمية تحتاج إلى الاستقرار والموثوقية واستمرارية الأعمال، وعندما تصبح بعض المدن أو المناطق عرضة للمخاطر الأمنية أو الاضطرابات السياسية، فإن أول ما يتبادر إلى أذهان مجالس الإدارة هو البحث عن بدائل قريبة جغرافيًا، مستقرة نسبيًا، وقادرة على استيعاب عملياتها بسرعة دون تعطيل أعمالها أو سلاسلها التشغيلية.
في هذا السياق تحديدًا، تعود مصر إلى المشهد باعتبارها خيارًا واقعيًا، بل وربما خيارًا أوليًا في بعض الحالات، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط بين ثلاث قارات، ولكن أيضًا بسبب ما تراكم خلال العقد الأخير من استثمارات في البنية التحتية الرقمية ومراكز التكنولوجيا والمناطق التكنولوجية المنتشرة في أكثر من محافظة، هذه المناطق لم تُنشأ فقط لتكون مجمعات مكتبية، بل لتكون منظومات اقتصادية متكاملة تضم شركات تكنولوجيا، ومراكز تدريب، وحاضنات أعمال، ومؤسسات تعليمية، وشبكات اتصالات فائقة السرعة، هذا النوع من البنية التحتية هو بالضبط ما تبحث عنه الشركات التي تحتاج إلى نقل جزء من عملياتها بسرعة، دون أن تبدأ من الصفر.
المعادلة هنا ليست مجرد انتقال شركات من مدينة إلى أخرى، بل إعادة تشكيل تدريجي لخريطة مراكز التكنولوجيا في المنطقة، فالشركات العالمية باتت تدرك أن توزيع عملياتها جغرافيًا لم يعد ترفًا، بل ضرورة استراتيجية لتقليل المخاطر، وفي عالم يعتمد على البيانات والبرمجيات والخدمات الرقمية العابرة للحدود، يمكن لمركز تطوير برمجيات في القاهرة أو الإسكندرية أو أسيوط أن يخدم عملاء في أوروبا أو الخليج أو أفريقيا دون أي عائق حقيقي، هذه الحقيقة تغير قواعد اللعبة بالكامل، وتجعل المدن التي تمتلك الكوادر البشرية والبنية الرقمية الجيدة قادرة على اقتناص فرص كانت في السابق حكرًا على عواصم تكنولوجية محددة.
وإذا كان العالم قد تعلم من جائحة كورونا أهمية العمل عن بعد وتوزيع فرق العمل عالميًا، فإن التوترات الجيوسياسية الحالية تضيف درسًا آخر: ضرورة تنويع مواقع العمليات التكنولوجية لتجنب المخاطر، هنا تحديدًا تبرز قيمة مصر ليس فقط كسوق محلية ضخمة، بل كمنصة إقليمية يمكن أن تنطلق منها الشركات إلى أسواق أفريقيا والشرق الأوسط، هذه الفكرة كانت حاضرة منذ سنوات في الاستراتيجيات الحكومية، لكنها اليوم تكتسب زخمًا أكبر بفعل الظروف الدولية.
ربما لم تكن كلمات أسماء حسني قبل سنوات مجرد ملاحظة عابرة، بل كانت قراءة مبكرة لاتجاه استراتيجي بدأ يتشكل بهدوء..ففي عالم تتداخل فيه التكنولوجيا مع الجغرافيا السياسية أكثر من أي وقت مضى، قد تتحول اللحظات التي تبدو في ظاهرها أزمات إقليمية إلى فرص اقتصادية لدول تعرف كيف تقرأ المشهد جيدًا، وربما يكون السؤال الحقيقي الآن ليس ما إذا كانت الشركات ستبحث عن مقرات بديلة في المنطقة، بل أي المدن ستكون الأكثر جاهزية لاستقبالها، وفي هذه المعادلة الجديدة، تبدو مصر أمام فرصة نادرة لتثبيت موقعها كمحور تكنولوجي إقليمي يمتد تأثيره من ضفاف المتوسط إلى عمق القارة الأفريقية.






