أخبارالأرشيفتقارير
أخر الأخبار

“العبقري”.. الذي حوّل المعارض والمؤتمرات في مصر إلى صناعة استراتيجية

الخبراء والمحللون: "اسامة كمال" إمتلك قدرة استثنائية على قراءة المتغيرات وتطوير المحتوى وتجديد الرؤية باستمرار

لم تعد صناعة المؤتمرات والمعارض في العالم مجرد تجمعات مهنية أو فعاليات موسمية تُعقد لعرض المنتجات والخدمات، بل أصبحت واحدة من أكثر الصناعات تأثيرًا في الاقتصاد العالمي، ومحركًا رئيسيًا للاستثمار ونقل المعرفة وصناعة القرار.

وفي مصر، مرت هذه الصناعة بمراحل طويلة من التطور المؤسسي، قبل أن تشهد طفرة نوعية نقلتها من الإطار التقليدي إلى فضاء إقليمي ودولي أكثر تأثيرًا، وكان للإعلامي ورائد صناعة المعارض والمؤتمرات أسامة كمال دور محوري في هذا التحول.

يرى المؤرخون أن البداية الحقيقية لفكرة المؤتمرات الدولية المنظمة تعود إلى مؤتمر فيينا الذي انعقد بين عامي 1814 و1815 بقيادة النمساوي كليمنس فون مترنيش، حيث شهد العالم لأول مرة نموذجًا متكاملًا لإدارة حدث دولي واسع النطاق وفق معايير تنظيمية ولوجستية متقدمة قياسًا بعصره.

لم يكن مؤتمر فيينا مجرد اجتماع سياسي لإعادة رسم خريطة أوروبا بعد الحروب النابليونية، بل مثّل نقطة تحول تاريخية نقلت المؤتمرات من كونها اجتماعات سياسية عابرة إلى مفهوم أكثر تنظيمًا واستدامة.

ومع نهاية القرن التاسع عشر، وتحديدًا في مدينة ديترويت الأمريكية عام 1896، بدأت ملامح صناعة المؤتمرات والمعارض الحديثة في التشكل باعتبارها نشاطًا اقتصاديًا وتسويقيًا قادرًا على خلق فرص استثمارية وتجارية واسعة النطاق.

وخلال العقود التالية، استمرت الصناعة في النمو عالميًا بصورة غير رسمية، حتى جاءت سبعينيات القرن الماضي لتؤسس مرحلة الاحتراف الحقيقي.

ففي عام 1972 تأسست منظمة “Meeting Professionals International” التي وضعت القواعد الأكاديمية والمهنية لإدارة المؤتمرات والفعاليات، وحولت النشاط من اجتهادات فردية إلى مهنة معترف بها عالميًا تمتلك معايير أداء وشهادات اعتماد متخصصة.

وبالتوازي مع ذلك، بدأت الجامعات الأمريكية والأوروبية في تدريس إدارة الفعاليات والمؤتمرات كتخصص أكاديمي مستقل ضمن كليات إدارة الأعمال والسياحة والفنادق، ما عزز مكانة الصناعة وأرسى دعائمها العلمية والمهنية.

في مصر، بدأت الدولة مبكرًا إدراك أهمية المعارض والمؤتمرات كأداة للترويج الاقتصادي والتجاري.

 وجاءت البداية الرسمية عام 1956 مع إنشاء الهيئة العامة للمعارض والأسواق الدولية في أرض معارض الجزيرة، لتكون أول منصة مؤسسية تتولى تنظيم واستضافة الفعاليات التجارية الكبرى.

ومع التوسع الاقتصادي والانفتاح على الأسواق العالمية، انتقلت الأنشطة الرئيسية للمعارض إلى مدينة نصر عام 1980، في خطوة استهدفت استيعاب النمو المتزايد في أعداد الشركات العارضة والوفود الأجنبية.

ثم شهد عام 1989 افتتاح مركز القاهرة الدولي للمؤتمرات، الذي مثل نقلة مهمة أدخلت مصر عصر المؤتمرات الدولية الكبرى، من خلال بنية تحتية متطورة وتجهيزات تقنية ولوجستية أتاحت استضافة أحداث عالمية وإقليمية على أعلى مستوى.

ورغم أهمية هذه المراحل في تأسيس البنية المؤسسية للصناعة، فإن المعارض ظلت في معظمها تدور داخل الإطار التقليدي المرتبط بعرض المنتجات والخدمات، إلى أن جاءت مرحلة جديدة حملت معها رؤية مختلفة للصناعة.

إذا كانت الدولة المصرية قد وفرت البنية التحتية والهيكل المؤسسي لصناعة المعارض والمؤتمرات، فإن أسامة كمال، رئيس مجلس إدارة شركة تريد فيرز إنترناشيونال، يُعد أحد أبرز من أعادوا تعريف وظيفة المعرض والمؤتمر في مصر والمنطقة.

لم ينظر اسامة كمال إلى المعارض باعتبارها مجرد قاعات لعرض المنتجات أو إبرام الصفقات التجارية، بل تعامل معها باعتبارها منصات استراتيجية تجمع الحكومة والقطاع الخاص والمستثمرين والخبراء وصناع القرار تحت سقف واحد.

هذه الرؤية غيرت قواعد اللعبة بالكامل، وأعادت صياغة مفهوم المعرض في مصر من حدث تسويقي محدود التأثير إلى منصة وطنية لصناعة السياسات واستشراف المستقبل. 

في منتصف التسعينيات، كان قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في مصر لا يزال في بداياته الأولى، ولم تكن التكنولوجيا قد أصبحت بعد أولوية اقتصادية أو قضية رأي عام.

في تلك المرحلة، اتخذ أسامة كمال قرارًا وصفه كثيرون بالمغامرة، بإطلاق الدورة الأولى من معرض ومؤتمر Cairo ICT عام 1996..كان الرهان صعبًا للغاية، فالسوق لم تكن ناضجة، وعدد الشركات العاملة في القطاع محدود، والوعي المجتمعي بأهمية التكنولوجيا لا يزال في بداياته، لكن أسامة كمال امتلك رؤية استباقية مختلفة. فقد أدرك مبكرًا أن المستقبل سيكون للتكنولوجيا، وأن مصر تحتاج إلى منصة تجمع مختلف أطراف المنظومة الرقمية.

ولذلك لم يقدم Cairo ICT كمعرض لأجهزة الكمبيوتر أو حلول الاتصالات فقط، بل كمنتدى دولي للحوار وتبادل الخبرات، يجمع الشركات العالمية والحكومة والخبراء والمستثمرين وصناع القرار.

ومع مرور السنوات، تحول الحدث إلى أكبر منصة تكنولوجية في مصر وأحد أبرز المعارض المتخصصة في الشرق الأوسط وأفريقيا.

يعرف العاملون في صناعة الفعاليات أن إطلاق معرض ناجح ليس هو الإنجاز الحقيقي، بل تكمن الصعوبة في استمراره لعقود طويلة..وهنا تبرز واحدة من أهم نقاط قوة أسامة كمال، فعلى مدار ما يقرب من ثلاثة عقود، حافظ Cairo ICT على انعقاده بصورة منتظمة رغم التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي مرت بها المنطقة.

وعبر المعرض مراحل التحول الاقتصادي، والأزمات العالمية، وجائحة كورونا، دون أن يفقد مكانته أو تأثيره، هذا النجاح لم يكن مجرد إنجاز تنظيمي، بل يعكس قدرة استثنائية على قراءة المتغيرات وتطوير المحتوى وتجديد الرؤية باستمرار.

لذلك لم يعد Cairo ICT مجرد فعالية سنوية، بل تحول إلى مؤسسة وطنية ترتبط بها خطط الدولة للتحول الرقمي ومشروعاتها التكنولوجية الكبرى.

من أبرز المؤشرات على نجاح أسامة كمال في بناء صناعة معارض احترافية، قدرته على اكتساب ثقة مؤسسات الدولة والشركات العالمية في آن واحد.

فالمعرض أصبح يحظى برعاية رئاسية وحضور منتظم من كبار المسؤولين وصناع القرار، كما تحول إلى نقطة جذب للشركات التكنولوجية العالمية الراغبة في التوسع داخل الأسواق المصرية والأفريقية والعربية.

وأدى ذلك إلى تعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للحوار التكنولوجي والاستثماري، وإلى تحويل القاهرة إلى محطة رئيسية على خريطة الفعاليات التقنية الدولية.

مواكبة المستقبل.. من الاتصالات إلى الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني 

ما يميز تجربة أسامة كمال أنها لم تتوقف عند نجاح Cairo ICT، فمع تطور التكنولوجيا عالميًا، اتجه إلى بناء فعاليات أكثر تخصصًا تتناول الملفات الأكثر تأثيرًا في الاقتصاد الرقمي.

ومن أبرز هذه الفعاليات مؤتمر CAISEC الذي أصبح خلال سنوات قليلة منصة إقليمية مهمة لمناقشة قضايا الأمن السيبراني وحماية البنية التحتية الرقمية ومواجهة التهديدات الإلكترونية المتزايدة.

كما أطلق مؤتمر AIDC المتخصص في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، ليضع مصر ضمن الدول الحاضرة في النقاشات العالمية المتعلقة بالتقنيات المستقبلية والتحول الرقمي المتقدم.

هذه الخطوة تعكس فهمًا عميقًا لمتغيرات السوق العالمية، وقدرة على استشراف الاتجاهات قبل تحولها إلى تيارات رئيسية. 

من أبرز الإنجازات التي ارتبطت باسم أسامة كمال نجاحه في تحويل المعارض والمؤتمرات المصرية إلى منتج اقتصادي قابل للتوسع خارج الحدود..فمن خلال بناء شراكات استراتيجية كبرى، من بينها التعاون مع الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، توسعت الفعاليات المصرية نحو أسواق عربية وأفريقية جديدة.

وأصبحت الخبرة المصرية في تنظيم المؤتمرات والمعارض التكنولوجية تمتلك فرصة حقيقية للتصدير، بما يعزز من القوة الناعمة المصرية ويدعم الاقتصاد الوطني عبر جذب الاستثمارات والشركات العالمية. 

عند قراءة تاريخ صناعة المعارض والمؤتمرات في مصر، يمكن التمييز بوضوح بين مرحلتين أساسيتين؛ الأولى مرحلة تأسيس البنية التحتية والمؤسسات الرسمية التي قادتها الدولة منذ خمسينيات القرن الماضي، والثانية مرحلة تطوير المحتوى والرؤية الاستراتيجية التي ارتبطت بصعود أسامة كمال ومشروعه المهني الممتد عبر شركة تريد فيرز إنترناشيونال.

ففي الوقت الذي وفرت فيه الدولة الأرضية المناسبة لنمو الصناعة، نجح أسامة كمال في ضخ الروح داخلها، وتحويلها من منصات عرض تقليدية إلى منصات لصناعة القرار ونقل المعرفة وجذب الاستثمارات وبناء الشراكات.

وبينما يتجه العالم اليوم نحو اقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، تبدو تجربة أسامة كمال واحدة من أبرز النماذج المصرية التي أثبتت أن صناعة المؤتمرات والمعارض ليست مجرد نشاط تنظيمي، بل قطاع استراتيجي قادر على التأثير في الاقتصاد وصياغة المستقبل.

error: Content is protected !!