
لم تكن كرة القدم يوماً مجرد دائرة جلدية منفوخة يركض خلفها اثنان وعشرون لاعباً، بل كانت دائماً المتنفس المجاني الوحيد لشعوب الأرض، واللغة المشتركة التي يفهمها الفقير قبل الغني في حواري وأزقة العالم، لكن هذا الشغف الفطري تحول تدريجياً من رياضة شعبية تملكها الجماهير إلى قطاع استثماري عابر للقارات، تحكمه لغة الأرقام الفلكية والصفقات المليارية، ليصبح المشاهد، الذي صنع مجد هذه اللعبة بصوته وانفعالاته، مجبراً على دفع ثمن عشقه أو الحرمان منه خلف شاشات سوداء لا تفتح إلا ببطاقات الدفع المسبق.
تبدأ قصة هذه التحول التاريخي من فكرة عبقرية بمقاييس المال، ومجحفة بمقاييس العدالة الاجتماعية، حيث يعود الفضل في تأسيس “تشفير المباريات” ومنح حقوق البث الحصري إلى شبكات التلفزيون المدفوع في أواخر القرن العشرين، وتعتبر الانطلاقة الحقيقية والأكثر تأثيراً في تاريخ كرة القدم الحديث عام 1992، عندما قاد إمبراطور الإعلام العالمي “روبرت مردوخ” مغامرة كبرى عبر شبكة “سكاي” البريطانية، واستطاع اقتناص حقوق البث الحصري للدوري الإنجليزي الممتاز في ثوبه الجديد مقابل مبلغ ضخم آنذاك تجاوز 300 مليون جنيه إسترليني، كانت هذه الخطوة بمثابة حجر الأساس الذي غير خريطة الإعلام الرياضي، حيث أدرك مردوخ أن السيطرة على شغف الجماهير هي الطريق الأسرع لإنقاذ شبكته الفضائية وتحقيق أرباح خيالية، وهو ما حدث بالفعل لتتحول كرة القدم من خدمة عامة تبثها القنوات الحكومية إلى سلعة تجارية فاخرة.
أما على الصعيد الدولي وبطولات كأس العالم، فإن جذور التنسيق التجاري تعود إلى حقبة رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم الأسبق “جواو هافيلانج” في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بالتعاون مع “هورست داسلر” مؤسس شركة “إي إس إل” للتسويق الرياضي، حيث نجحا في تحويل الفيفا من منظمة رياضية بسيطة إلى آلة استثمارية ضخمة تعتمد على بيع حقوق البث والرعاية حصرياً لشركات محددة، ومع مرور العقود، تضخم رأسمال هذه التجارة بشكل مرعب، لتصل عوائد بث البطولات الكبرى مثل كأس العالم والدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى إلى عشرات المليارات من الدولارات سنوياً، حيث تجني الفيفا وحده من دورة كأس العالم الواحدة أرباحاً تتجاوز حاجز الـ 5 إلى 7 مليارات دولار، تمثل حقوق البث التلفزيوني الحصري حصة الأسد منها.
ومع كل انطلاقة لبطولة كأس العالم، تتجدد معاناة الملايين من عشاق المستديرة حول العالم، وتحديداً في الدول النامية والمنطقة العربية، ففي الوقت الذي ينتظر فيه المشاهد البسيط هذه التظاهرة العالمية ليرى نجومه المفضلين، يصطدم بجدار التشفير والأسعار المبالغ فيها لباقات الاشتراك، والتي تفوق في كثير من الأحيان القدرة الشرائية للأسر محدودة الدخل، هذه المعاناة الاقتصادية والنفسية خلقت فجوة طبقية رياضية، حيث تحولت المقاهي والشوارع إلى ملاذات أخيرة للمشجعين، بينما اضطر ملايين آخرون إلى اللجوء لخيارات “القرصنة الرقمية” وشبكات البث غير القانونية عبر الإنترنت كبديل اضطراري لاستعادة حقهم المسلوب في مشاهدة اللعبة، مما يطرح تساؤلاً أخلاقياً عميقاً حول من يملك كرة القدم حقاً، وهل تنجح رأسمالية الرياضة في إطفاء حماس المدرجات بعد أن نجحت في تفريغ البيوت من بهجة المونديال؟.






